محمد الحرز

محمد الحرز

عندما نتحدث عن شخصية مثقفة مثل الغذامي , فنحن بالتأكيد نحاول الدخول إلى عالمه دون التوسع كثيرا في شأنه الخاص , أو الوقوف على حياته الخاصة كما يحدث في أغلب المقالات الصحفية . ولكن ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو الحديث عن أهميته كرجل مثقف وأكاديمي أنتج ولايزال ينتج الكثير من الكتب في ساحتنا المحلية والعربية على السواء . وكذلك الحديث عن أبرز محطات تحولاته الفكرية , وتقلباته الثقافية التي أخذته من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي.إن الغذامي تكمن أهميته ليس في كونه رائدا من رواد النقد الأدبي من خلال كتابه " الخطيئة والتكفير" فقط , وإنما يضاف إلى ذلك , كونه مشاركا بفاعلية كبيرة فيما يدورعلى الساحة من نقاشات وحوارات حول الأدب والفكر والثقافة والمجتمع , وذلك منذ أوائل الثمانينيات , وهذا ما أعطاه زخما حضوريا قويا سواء على مستوى الحضورالمنبري , أوعلى مستوى الحضور الصحفي أوالجامعي . وهكذاعرفناه شعلة في سماء العطاء الفكري , لا يكل ولا يمل في إصدار البحوث والدراسات التي تنم عن ذهنية متحفزة في هضم كل ما يستجد على الساحة المعرفية من نظريات أو مقولات فكرية أو فلسفية أو أدبية . فهو دائما يعتمد في دراساته على الاستفادة الكبرى من آخر منجزات الفكر العالمي في جميع المجالات والتخصصات , وهو بهذا يضرب أروع الأمثلة على جدية العمل والبحث والتفاني في سبيل الإعلاء من شأن الفكروالثقافة . قد تختلف معه فيما يطرحه من آراء وأفكار, لكنه الاختلاف الذي يزيد حركية الفكر والثقافة , ويزيد كذلك تطورهما , لذلك فالاختلاف مع الغذامي يعد ظاهرة صحية , ومطلوبة أيضا طالما لم تتجاوز حدود الثقافة والإبداع . لقد سعى الغذامي في مجمل دراساته إلى إثارة الإشكاليات والتساؤلات حول الأدب والفكر بحيث كان يجرب الفكرة تلو الأخرى , فمرة نجد اهتمامه يدور حول القراءات التطبيقية على النصوص الجمالية , ومرة أخرى حول الاهتمام بالقراءات النقدية , وكيفية قراءتها من جديد بوصفها إبداعا , وهكذا أيضا ينتقل إلى التركيزعلى علاقة المرأة باللغة , وما يستتبع هذه العلاقة من تساؤلات واستفهامات كانت تشكل في مجملها الأفكار التي استطاع أن يحللها ضمن إطارالعلاقة نفسها, ويثير كذلك من خلالها فكرة السلطة الذكورية التي سيطرت على اللغة , وحرمت المرأة من التعبير عن نفسها كامرأة في المجال اللغوي الجمالي بالتحديد . لقد ظل الغذامي يصول ويجول بأفكاره حيث يثير من حوله التساؤلات والحوارات , الأمر الذي عززموقعيته في الساحة الأدبية باعتباره باحثا جادا , وكذلك أدى هذا الوضع إلى ازدياد فاعلية الحراك الثقافي في الساحة , وبالتالي كثرمريدو الغذامي , وأخذت كتبه تنتشر بسرعة بين طلبته , وكذلك بين المثقفين , وهذا بالطبع يسجل لصالحه كونه عاملا مؤثرا في تحريك الساحة من ركودها, وليس معنى هذا أن هناك غيابا فكريا عن الساحة , لا ليس كذلك , فقد كان هناك الكثير من المثقفين الذين أعطوا الساحة الأدبية والثقافية فكرا نيرا , وأضاءوا بمجهودهم مناطق معتمة , وحركوا المياه الراكدة التي كانت تعشعش في حياتنا الثقافية , ولا أريد هنا طرح الأسماء , ولكن ما يهمنا هنا هو إبراز السياق , أو الظروف التي أحاطت بوضعية الغذامي في رحلته مع الفكر, ومع مجامليه من المفكرين والمبدعين . ولكن ما يميز الغذامي هنا , يمكن أن يتضح من جهتين : الأولى إدراكه العميق أن على المثقف الباحث أن يجدد النظر دائما في أفكاره وقناعاته , وأن يبحث له عن طرائق جديدة في استنباط الأفكار من خلال نظرة معمقة للمجتمع الذي يعيش فيه . وهذا ما حدا به من الجهة الثانية أن يعلن مشروعه الذي سماه " النقد الثقافي " , قد يبدو هذا المسمى من وجهة نظر بعض الباحثين إشكاليا , كون هذه التسمية شاعت في الثقافة الغربية منذ سبعينيات القرن المنصرم , ولكن هذا بالتأكيد لا يقلل من أهمية التنظير والتحليل الذي قام به الغذامي داخل مشروعه , فهو لم يكن ليقوم بهذا المشروع دون البحث عن مسوغات يبرر بها مشروعه , ومن جملة هذه المبررات , قناعته التامة - بعد التأمل والفحص- التي تقول : إن النصوص الجمالية الشعرية التي تخضع للمساءلة النقدية من طرف النقاد ليست مؤثرة بدرجة كبيرة على عموم المجتمع , ولا يصل تأثيرها جماليا ونقديا سوى لنخبة معينة من المهتمين فقط , وعليه فهو يجد أن الأدب الشعبي المهمش الذي يشتمل على النكتة والطرفة والألعاب الشعبية المسلية , والأغاني الشعبية والرقص الفلكلوري , إضافة إلى الحكايات والمرويات الأسطورية الشعبية , كل ذلك حسب رأيه بمثابة الرافعة التي تدير سلوك الناس , وبالتالي تؤثر على أفعالهم وتصرفاتهم وأقوالهم . انطلاقا من هذه القناعة رأينا كيف استطاع الغذامي أن يقلب الطاولة على النقد الأدبي الجمالي الذي يهتم بمقاربة النصوص الشعرية جماليا فقط, وأن يعيد إلى دائرة الضوء والاهتمام ما كان يسميه "المسكوت عنه والمهمش " . وعلى هذا الأساس وجدناه كيف قارب لعبة " البلوت " المشهورة شعبيا , وقارب بعض المرويات والأساطير في " حكاية سحارة " , إلا أنه في حقيقة الأمر والواقع لم يتعمق كثيرا في مثل هذه المقاربات , وإذا كنا نعتقد أن أدب الجزيرة العربية كان من الثراء والتنوع في المرويات الشعبية بحيث يصعب الحصر والتعيين , إلا أن ذلك لا يلغي أهمية البحث والتنقيب , من هذه النقطة يمكننا أن نشير إلى العمل الضخم الذي قام بجمعه وتحقيقه العلامة عبد الكريم الجهيمان , الذي يخص أساطير أرض الجزيرة العربية , فهذا العمل في تصوري يعطي للباحث صورة تاريخية اجتماعية من خلال وجهة نظر الغذامي لما كان عليه الناس في سلوكياتهم الأخلاقية والاجتماعية والدينية والجمالية , وهذا في حد ذاته ما له من الأهمية بمكان . لكنّ الغذامي لم يقترب , أو لم يحاول الاقتراب من هذا العمل كي يعمق من بحوثه ودراساته , ربما لأنه لم يسع إلى ربط أفكاره بتاريخ الجزيرة العربية تحليليا ومنهجيا , بل رأيناه كيف اكتفى في كتابه " النقد الثقافي " بالتأسيس النظري لهذا المفهوم من خلال تطويره لمقولات فكرية فلسفية غربية , ومن ثم بناؤه عليها بالتحليل الذي قارب به الشعر العربي من بداياته إلى العصر الحديث, بحيث كان الهاجس الأكبرالذي يشغله فيما هو يبحث , هو اتهام الشعر العربي " بالعيوب النسقية" أي جملة الصفات التي انطبعت في سلوك الإنسان العربي من خلال تأثره بالشعر, ويمكن أن نعزو صفة الاستبداد , وصفة النرجسية , وصناعة الطاغية , كلها إلى الشعر حسب وجهة نظر الغذامي . قد تكون هذه الآراء استفزازية للبعض , وهذا ما حدا ببعضهم الرد والمعارضة سواء كان ذلك بالتحليل العقلاني , أو بمجرد مقالات صحفية , ولكن في كلتا الحالتين يظل الغذامي مثيرالأسئلة أينما تحرك , أو في أي جهة انطلق , ونحن مهما اختلفنا معه يظل واحدا من الفكرين القلائل المبدعين في ساحتنا المحلية . mohmed_z@hotmail.com