محمد الحرز
مأزق الحضارة الغربية مع الإسلام في الوقت الراهن انبنى على سياسات عدائية كانت الإدارة الأمريكية الحالية لها السبق في رسم خطوطها العريضة , وتعميمها بالتالي على السياسات الدولية . هذه العدائية لا تتمثل فقط في الحرب التي شنتها على العراق بعد أفغانستان باسم القضاء على الإرهاب والتطرف الإسلامي , وكذلك باسم نشر الديمقراطية والحرية بين شعوب الشرق الأوسط . فالكل يعرف اليوم هشاشة التبريرات السياسية الأمريكية التي قامت لأجلها الحرب , ولسنا هنا في صدد استعراض تلك التبريرات في هذه المقالة . إنما ما نريد التركيز عليه هنا هو أن هذه العدائية جرى تسويقها أخلاقيا في الخطاب الأمريكي الثقافي باسم " الحرب العادلة " من خلال رسالة مفتوحة نشرها أكاديميون أمريكيون تتعلق بالحرب على الإرهاب , وذلك بتاريخ 12شباط/فبراير2002 . وقد انبرى بالرد على هذه الرسالة الكثير من المثقفين العرب , ولكن أكثرها كان سجاليا إلا القلة منهم من الذين استطاعوا أن يدركوا أن الخلاف لا يتمثل في اختلاف القيم الدينية بين حضارتين متباينتين (الإسلامية- المسيحية) , إنما الخلاف الأساسي يدور حول المشاكل السياسية في العالمين العربي والإسلامي, والتي صنع جزءا منها الاستعمار الغربي الإمبريالي (بناء الكيان الصهيوني في أرض فلسطين) , والجزء الآخر يتحمله الفشل الذريع للمشاريع السياسية للدولة العربية . وعلى أثر هذين العاملين برز الإسلام السياسي ليس بوصفه احتجاجا ضد الأوضاع القائمة في الوطن العربي فقط , وإنما بوصفه خطابا يمارس السياسة من خلال العودة إلى القيم الدينية الشعبية التي هي من صميم الحياة اليومية عند الناس من قبيل العدالة الإلهية , والقيم الأخلاقية المثالية المتعالية . إن مصطلح الحرب العادلة يمثل بالنسبة للخطاب الثقافي الأمريكي رأس الهرم الذي يخفي تحته تاريخا من المصطلحات المفارقة للواقع التاريخي الذي عاشته الحضارتان الإسلامية والمسيحية جنبا إلى جنب . لقد راجت هذه المصطلحات بكثرة في هذا الخطاب, وجميعها تشير إما بسوء نية أو حسن نية إلى سوء فهم للإسلام ومغالطات حول تاريخ المجتمعات الإسلامية , فصدام الحضارات الذي راج بقوة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر , وقبله مصطلح الاستبداد الشرقي , والأصولية الإسلامية وغيرها الكثير كلها تؤكد على حقيقة ترسخت ومازالت في ذهنية المخيلة الثقافية الغربية ألا وهي أن الإسلام متخلف في بنيته الأصولية, ناهيك عن المسلمين المعتنقين لهذه الديانة , فهذا على سبيل المثال (دانييل بايبس) يصل إلى قناعة في آخر كتبه إلى أن الإسلام كله أصولي ومتطرف , وكذلك بالنسبة إلى (إرنست غلنر) الذي يرى "أن الجوهر الأصلي للإسلام أنه دين نصي أخروي يتميز بنزوع طهوري شديد" وهذا النزوع يمثل البراءة الأولى التي تتكرر على شكل دورات تاريخية . بالطبع لا يمثل ما ذكرناه إلا النزر اليسير من الإشكالية الكبرى التي تعيشها العلاقة الملتبسة بين الإسلام والغرب , فالمرويات التاريخية الغربية صنعت من الشرق الإسلامي: الآخر, الغريب, الساحر, المشعوذ, البربري, العدو , وما زاد الطين بلة هو الانسياق وراء تأثير هذه المرويات عند أغلب النخب الفكرية العربية التي تصدت في خطاباتها لأزمة التخلف عن ركاب حداثة الغرب . هذا الانسياق أكثر ما تجلى في فكرة التقدم والتخلف التي هي فكرة إيديولوجية من صنع الفلسفة الغربية بامتياز, ولم يتم تجاوزها في أغلب الدراسات الفكرية الإسلامية إلا عند بعض المؤرخين من قبيل هشام جعيط , وجيه كوثراني , فهمي جدعان... ألخ . هذه الأزمة في العلاقة بدأت تأخذ أبعادا خطيرة بسبب دخولها مرحلة التسييس التي تؤثر على القرار السياسي في الصراع الدائر حاليا على الإرهاب, لكنها أبعاد بدأت تأخذ نصيبها من الاهتمام عند الأوساط الأمريكية المثقفة , وذلك من خلال التركيز على تحليل هذه الأزمة من منطلق القراءة الواعية للتاريخ المشترك بين الإسلام والمسيحية. ففي الآونة الأخيرة صدر كتاب (دفاعا عن مقولة الحضارة الإسلامية - المسيحية) لمؤلفه الدكتور ريتشارد بوليت أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة كولومبيا في نيويورك . إصدار دار النهار ,بيروت, ترجمة محمود حداد . يقدم فيه المؤلف تحليلا يتجاوز فيه الدراسات الاستشراقية الوضعية والتاريخانية والانثروبولوجية التي أنجبت صورة نمطية عن شعوب العالم العربي والإسلامي إلى رحابة الدراسات التي قدمت نظرة جديدة إلى تاريخ العلاقات بين الحضارتين . وقد قسم كتابه إلى أربعة فصول : الأول يذهب فيه للقول- كما يشير إلى ذلك مترجم الكتاب- " إن الإسلام والمسيحية شكلا حضارة واحدة من الناحية الاجتماعية لا من الناحيتين السياسية أو العسكرية , فكانا توأمين متشابهين تشابه أي توأمين . فكانت هناك حضارة إسلامية - مسيحية مثلما أصبح هنالك بعد الصراعات الدموية بين المسيحية واليهودية حضارة مسيحية - يهودية يشير إليها الغرب في كل مناسبة اليوم . وقد ظل الأمر كذلك حتى بداية القرن السادس عشر حين بدا واضحا تفوق الحضارة الأوروبية ثم الأورو- أمريكية المؤمنة بالمسيحية على حضارات العالم كافة ومن ضمنها حضارة العالم الإسلامي وما تبع ذلك من تاريخ تسلط واستعمار حديثين .إلا أن الحضارة الإسلامية لم تتراجع من الناحية الدينية - كما يرى المؤلف - لأنها استطاعت في مرحلة ما بعد القرن السادس عشر وإلى اليوم كسب النسبة الكبرى من المتحولين إلى أحدى ديانات التوحيد الثلاث. وفي جميع الأحوال , يخلص المؤلف إلى أن لدى العالم الإسلامي - المسيحي ما يجمع أكثر بكثير مما يفرق . فماضي الغرب لا يمكن فهمه بصورة كاملة من دون تقدير العلاقة التوأمية التي ربطته بالإسلام طيلة أربعة عشر قرنا . والملاحظة نفسها تنطبق على العالم الإسلامي" .أما الثاني فيرد فيه على كتاب المؤرخ الأمريكي البريطاني الأصل والصهيوني الهوى برنارد لويس "أين الخطأ" الذي انتشر انتشارا واسعا في الغرب , وقد أصبح أحد المراجع المهمة للأصوليين اليمينيين الأمريكيين , والذي قرأ من خلاله تاريخ المسلمين بطريقة تنم على الازدراء واقتناص العيوب . وقد أرجع ريتشارد بوليت هذا الخلل في قراءة التاريخ الإسلامي إلى أسباب عدة من أهمها أن الغرب بدأ ينظر إلى نفسه بعد تجربته في الحداثة والديمقراطية إلى أنه هو النموذج الذي ينبغي أن يعمم على بقية الشعوب الأخرى , بدليل الانتشار الواسع للديمقراطية الغربية كخيار سياسي تتبناه مختلف الشعوب في مسيرة تطورها الحضاري, لكن العرب فشلوا في تحقيق هذه الديمقراطية في نظر الغربيين بسبب تمسكهم بدينهم الإسلامي وكأن الدخول في الحداثة وتبني الديمقراطية يستلزم الابتعاد عن الدين . هذه النظرة التي تبناها الغرب يرجعها " بوليت " إلى أنهم ( الغرب) لم يكونوا يتصورون نشوء حداثة خارج مقاييس الحداثة الغربية وقيمه , ولما أنشأت اليابان حداثتها الخاصة التي بدأت في منتصف القرن التاسع عشر حيث قاد إمبراطور سلالة الميجي عملية تحول في جميع أوجه الحياة اليابانية تقريبا , فتم وضع دستور ونظام انتخابات برلمانية , وجرى تحقيق المساواة والديمقراطية والنمو الاقتصادي والصناعي , كان المراقب الغربي دائما يتساءل على نحو استفهامي عن هذه الحداثة التي خرجت من عمق أصالتها وتراثها دون أن تتبنى القيم الغربية بحذافيرها . لذلك - كما يقول بوليت - فوجئ الغرب عندما فشلت الدولة العربية التي تبنت التحديث الغربي من خلال تقليص دور الدين في الحياة السياسية والاجتماعية - ولست أعني الدين المؤدلج سياسيا وإنما الدين المنفتح على التجربة الروحية التي تستمد قوتها من عمق تراثها من جهة ومن الانفتاح على الآخر من جهة أخرى - لكونهم كانوا ينظرون إلى الدين الإسلامي بشكل سلبي , وما زاد الأمر سوءا في هذه النظرة بروز الإسلام السياسي المتطرف إثر هذا الإقصاء الذي ما رسته الدولة ضد البعد الديني كهوية حضارية . الكتاب يستحق الحديث عنه ولكن في مقالة أخرى. mohmed_z@hotmail.com