محمد الحرز

محمد الحرز

الكتابة حول الأحداث السياسية هذه الأيام تؤدي إلى الشعور بشيء من السأم الذي يلفني مثل إعصار كلما أردت التقرب من تفاصيلها المرعبة , ثم أقول في نفسي هذا السأم مصدره الأجواء الخانقة التي تعيشها الحياة السياسية العربية بما تمر به من تحولات مفصلية في لحظتها الراهنة. وهي أجواء تأخذ من يكتب عنها إلى متاهة مشرعة على الضياع والخوف من المستقبل , والنظرات السوداوية التي ترى الأشياء من حولها وكأنها مجرد دخان يتغلغل حتى في آخر خلية دم في الجسد. قد يبدو لي ذلك سببا مقنعا للوهلة الأولى , فالتذرع بهذه الأجواء هو نوع من الهروب المؤجل , لكنه لا يكفي , فالمد السياسي جارف حد الغرق , والوقوف في وجهه يؤدي إلى الهلاك . ربما نحتاج إلى مشاعر أكثر صلابة لمواجهة هذا المد , ولكن كيف ؟! . يبدو لي أن الأدب فيه شيء من هذه الصلابة التي يمكن من خلالها الذهاب عميقا في تجديد الحياة الداخلية للمرء , وبالتالي تجديد مشاعره وأحاسيسه بالطريقة ذاتها التي تقودنا فيها الأفكار السياسية إلى القلق والاضطراب ولكن بصورة معاكسة في حالة الأدب . فالمرء لا يسعه هنا سوى فك القيود التي تدفعه إلى الحافة , والحافة ليست سوى الدخول في متاهة اللعبة التي يصنعها الحديث حول الخطاب السياسي العربي . إن الأدب والسياسة مقولتان متنافرتان حد العداوة , ولا يمكن في هذه الحالة سوى الركون إلى أحدهما , وذلك على حساب الآخر , وقلما اجتمع كلاهما ضمن حدود تفكير الفرد إلا استثناءات قليلة يمكن إرجاعها إلى ظروف أيضا استثنائية وصعبة التوقع . ولكن هذا التنافر لا يمكن قياسه على التاريخ العربي الإسلامي , ولا سحبه على مجمل الذين أسسوا للثقافة العربية الإسلامية , وذلك في مراحل تشكل الحضارة الإسلامية ونموها ثم انحطاطها . إن التداخل بين الأدب والسياسية لم يتضح أكثر سوى عند الذين اهتموا بكتابة التاريخ الإسلامي , وذهبوا حد التجديد والتنظير في هذا التاريخ . لقد كان الاهتمام بالتاريخ الإسلامي هو المحور الذي يمكن الإشارة إليه بوضوح , لأنه قاد في معظم الأحيان إلى وجود تأثير متبادل ومتداخل عند الكثير من الذين اشتغلوا في هذا الحقل , أي حقل الكتابة التاريخية , فالنظرة الأدبية نجدها متداخلة مع النظرة إلى السياسة , ويجب هنا أن نقول أن ما نقصده بالسياسة واشتغالاتها عند المؤرخين الأدباء يختلف عن مفهومها في الوقت الراهن , والكل يعرف أن السياسة التي أنتجتها الأدبيات الموروثة في الفكر الإسلامي كانت تدور حول الأدب السلطاني من جهة متأثرة بشكل مباشر بالنظرة السياسية التي عاشتها الإمبراطورية الفارسية , ومتأثرة من جهة أخرى بالمثل الأفلاطونية التي احتلت مساحة كبيرة في التفكير الفلسفي الإسلامي . وقبل ذلك كان الشعر هو المؤسس الحقيقي الذي انبنت عليه جميع صنوف المعرفة في الحضارة الإسلامية , فقد دخل تأثيره في الفلسفة وعند رواة الأحاديث الشريفة , وكذلك عند الفقهاء , وحفظة القرآن الكريم , وبالتأكيد عند المؤرخين . يقول طريف الخالدي في كتابه القيم "فكرة التاريخ عند العرب " إن تأثير الشعر الجاهلي لم يقتصر على طريقة استرجاع ذكرى الماضي أو الإعراب عنها . فقد قيض له أن يخلف أثرا مهما في أوائل أشكال الكتابة التاريخية الإسلامية من حيث البنية وطرق الرواية . أما من حيث البنية فكانت القصيدة الجاهلية العمودية مجموعة من الأبيات الفردية يتألف كل منها من شطرين ويشكل وحدة قائمة بذاتها ضمن الكل المتفاوت تماسكا في الموضوع أو الأجواء . فالصدر وهو الشطر الأول , يكمله العجز وهو الشطر الثاني . والتشابه بين البيت من الشعر والخبر عند أوائل المؤرخين العرب , ومثله التناظر بين صدر كل بيت وعجزه وبين الخبر وإسناده لحري بالاهتمام عندما يتفحص الدارس أوائل أشكال التأريخ عند العرب . أما من حيث الرواية والإسناد , فقد كان لشعراء الجاهلية رواتهم الذين كانوا بمثابة الضامنين لأصالة الشعر . وفي هذا المجال أيضا يبدو الشعر وراويته شبيها بالخبر وراويته . والواقع أن الراوية الجاهلي هو سلف المؤرخ المسلم . وقد جنحت الأدبيات الإسلامية اللاحقة إلى مط أعمار بعض هؤلاء الرواة والقصاص حتى مئات السنين , وكأنما لسد الثغرة بين مهد تلك الثقافة وعنفوان شبابها , بين الرواية الجاهلية والخبر الإسلامي . لقد كان المؤرخ اليعقوبي وكذلك المسعودي وابن الأثير من الأوائل الذين أسسوا لهذه النظرة إلى التاريخ , وما رسخ هذا التوجه بشكل جذري اشتمال القرآن الكريم على القصص التاريخية والأخلاقية التي تشبه إلى حد ما الأسلوب في رواية الشعر الجاهلي عند العرب , وهذا التشابه تغلل إلى حد ما في أشكال الكتابة التاريخية , ولكن في أوآخر القرن الرابع الهجري حدث لهذا التشابه نوع من الانقطاع أو لنقل شبه انقطاع بسبب ظهور مؤرخين استطاعوا أن يعزلوا التاريخ السياسي عن تأثيراته الدينية والأدبية , من أهم هؤلاء مسكويه في كتابه " تجارب الأمم " حيث شدد في كتابه على السياسات البشرية (الوضعية ) الصادرة عن الملوك . من هنا الافتراض - كما يقول وجيه كوثراني - أن كتابه سيكون له تأثير كبير على المؤرخين والفقهاء اللاحقين الذين سيميزون لاحقا بين السياسة الدينية الشرعية والسياسة الوضعية العقلية كما سنرى عند الطرطوشي وابن خلدون. mohmed_z@hotmail.com