محمد الحرز
إذا كنت أفهم تماما طبيعة الصفة العبثية باعتبارها إحدى الصفات التي لازمت الأدب الغربي الحديث في الرواية والمسرح بالخصوص, وذلك لأسباب من أهمها الوعي المرعب لتأثيرات الحرب على مخيلة المجتمعات الغربية من جانب, والتفكير العدمي الذي وصل إليه الفكر الفلسفي الغربي من جانب آخر, فإن ما لا أفهمه بالتحديد طبيعة الصفة العبثية التي تتلبس السياسة العربية الراهنة من خلال إدارتها لأزماتها الحالية!.وإذا كنت أجيز لنفسي هذه المقارنة, فمن باب التندر والمفارقة ليس إلا. حينما تحدث وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في الأمم المتحدة على أثر صدور القرار 1636 القاضي بإلزام سوريا بالتعاون الكامل دون شرط أو قيد مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري, كان لا يملك خطابا سياسيا يمكنه من الدفاع عن سوريا أمام الوزراء الحاضرين, بل كان خطابه مغايرا للواقع.هذا الموقف البائس هو نتاج ذهنية سياسية متخلفة لم تستوعب المتغيرات التي طرأت على العلاقات السياسية الدولية, والقانون الدولي, ومنظومة المفاهيم والتصورات التي تتحكم في العمل السياسي الدولي. هذه الذهنية لا يمكن وضعها موضع التساؤل والتحليل وفق النظر إلى الأحداث السياسية الراهنة التي يمر بها الوطن العربي فقط, إنما جذور هذه الذهنية التاريخية هي من الأهمية بمكان بحيث تتيح الفرصة أمام النخب السياسية والثقافية كي تعيد صياغة مفاهيمها السياسية والثقافية التي تشكل النواة الصلبة في العلاقات بين الدول والمجتمعات. لا يمكن اقتصار فهم اللاعقلانية السياسية في الموقف السوري من قضية اغتيال الحريري عن طريق تبني خطابها السياسي مقولة الاستهداف الخارجي - والمتمثل هنا الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي- الذي جاء بسبب سياساتها التي تراها بأنها صارمة تجاه حقوقها المشروعة, وتجاه القضية الفلسطينية, وتجاه دعمها المستمر لفصائل المقاومة الفلسطينية, وحزب الله في الجنوب اللبناني, وحماية الأمن والاستقرار في لبنان بعد اتفاقيات الطائف. ولا يمكن اقتصار هذا الفهم كذلك على انعدام الحريات والاستبداد السياسي والفساد الإداري. إننا نعلم تماما أن مقولة الاستهداف الخارجي لا تعبر سياسيا بشكل دقيق عن الوضع الذي يرسم العلاقات بين الدول القوية والدول الضعيفة, إنه مصطلح ينتمي إلى حقبة الاستعمار, وانتهت الآن صلاحيته, ولكن لا زال له حضور قوي في معجم المصطلحات السياسية العربية, والذي يبرر وجوده بالدرجة الأولى هو الهشاشة الشرعية التي لم تحظ بها الدولة كمؤسسة قوانين وضعية سواء في ذهنية الجماهير, أو في ذهنية النخب التي تصدت للعمل السياسي, وكتبت أدبياته. بينما نرى سياسة الحكومات الغربية أمام شعوبها تحمل صفة الشفافية المفضي في أغلب الأحيان إلى المراقبة والمحاسبة ضد كل سلوك سياسي ينحو منحى الأخطاء المضرة بمصالح الشعب, ولم أقل ينحو منحى المؤامرة ضد مصالح الشعب, فالفرق واضح بين المصطلحين في الممارسة السياسية. وكأن التقاليد الميكيافلية في السياسة الغربية أصبحت أكثر براغماتية من السابق بسبب المراجعة الدائمة التي يعيشها الفكر السياسي الغربي في فهمه للديمقراطيات التي تطبقها شعوبه. وهذه من النقاط الحيوية في الفكر السياسي الغربي. لقد نشر الفيلسوف كارل بوبر كتابا هو "المجتمع المفتوح وأعداؤه" يهدف من خلاله إلى فهم الحرب العالمية الثانية, من خلال فهم أزمة الدولة في علاقتها بالسلطة. كتب يقول "اقترحت تعويض سؤال أفلاطون "من يحق له الحكم" بسؤال مختلف عنه جذريا وهو كيف يمكن تصور تنظيم الدولة بصفة تسمح لنا من التخلص من الحكومة من دون إراقة الدماء؟, هذا السؤال يركز على عملية إقالة حكومة وليس على عملية تشكيلها". لقد استنتج كارل بوبر في نهاية كتابه القيم إلى " أن الديمقراطية الغربية التي تعني حكم الشعب هي مع الأسف خطيرة, كل فرد من أفراد الشعب يعرف تماما أنه لا يحكم, ومن هنا لديه انطباع بأن الديمقراطية تعتبر نوعا من الاختلاس والنصب والاحتيال. وهنا يكمن الخطر, من المهم أن نتعلم ومنذ الدراسة بأن كلمة الديمقراطية منذ الديمقراطية الأثينية هي الاسم التقليدي الذي نطلقه على دستور يمنع قيام ديكتاتورية أو طغيان, الديكتاتورية والطغيان هي أسوأ الأشياء ". ناهيك حاليا عما تطرحه العولمة الاقتصادية من تحديات على تطبيق الديمقراطية. يقول بيار كالام في كتابه "تفتت الديمقراطية" "الديمقراطية في أزمة. ففي الوقت الذي تبدو فيه ظاهريا أنها تنتصر في كل مكان يلاحظ أنها تفرغ من جوهرها لعدم ممارستها على المستويات الملائمة, وعدم اهتمامها بالمشكلات الأساسية (قصده مشكلات الفقر العالمي, تدهور صحة البيئة, تدني كرامة الإنسان وخصوصا المرأة) وعدم القيام بإصلاح نفسها". هذا هو المشهد الداخلي للفكر السياسي الغربي الداخلي. ولكن إذا رجعنا ورأينا في محيطنا العربي من يرفع صوته ويقول: ثمة ما يجعل من مقولة الاستهداف الخارجي مقولة مشروعة في ظل السياسات الأمريكية العدائية ضد العرب, وخصوصا تجاه قضيتهم الأم, القضية الفلسطينية, والتي تكيل فيها بمكيالين, إضافة إلى الإرهاب المنظم الذي تمارسه إسرائيل ضد أبناء الشعب الفلسطيني العزل. وكذلك الاستهتار الواضح لعدم الامتثال للقوانين والقرارات الدولية الصادرة بحقها من مجلس الأمن, حيث كان الفيتو الأمريكي وراء كل مظاهر الاستهتار الإسرائيلي ضد الشرعية الدولية. نقول إن ذلك إجمالا يدخل ضمن المقولات الصحيحة دون أدنى شك, حيث هذه الوضعية قائمة كحقيقة لا ينبغي تغافلها, ولكن أسوأ الخيارات أن نعطل التفكير في مستقبلنا ومستقبل أجيالنا في سبيل صيانة الوضع الحالي من التهديد الخارجي, ألم تقدم فرنسا في ظل الاحتلال النازي مثالا حيا على روح التوازن بين متطلبات الوحدة الوطنية ورص الصفوف في الدفاع عن الوطن ضد الاحتلال, وبين النظر إلى المستقبل من خلال النهوض بالمجتمع سياسيا وفكريا واجتماعيا؟!. إن مثل هذه المقولات التي ينتفخ بها الخطاب السياسي العربي - وعندي من الشواهد ما يثقل الكاهل ولكن لا حاجة إلى الإطالة - لا زالت تسد الأفق وهي لا تمثل سوى صدى متقطع النغمات تنبعث من تراثنا الفكري السياسي, لا سيما في مجال الآداب السلطانية التي اتخذت صيغة المواعظ والإرشاد للحكام, وكذلك مجال العلاقة بين السياسة والشريعة, وهناك أمثلة عديدة على كتاب من قبيل سهيل بن هرون, الجاحظ, أبو زيد البلخي, الغزالي, الطرطوشي, الجويني,.. إلخ. ولكن الجانب الذي يضيء لنا اللاعقلانية السياسية العربية, ومن ضمنها السورية, يتمثل في الكشف عن الأسباب التي أدت إلى عجز التنظميات الإصلاحية التي أرادتها الإمبراطورية العثمانية في الولايات التابعة لها, لعل وعسى نفهم بشكل منطقي هذه العبثية السياسية.mohmed_z@hotmail.com