عبدالرحمن السليمان - القطيف

الغموض يزيد العمل ألقاً

أقامت الفنانة التشكيلية حميدة السنان معرضاً فردياً استضافته صالة مكتب العوامي بالقطيف مؤخراً. ويمثل هذا المعرض الذي أطلقت عليه الفنانة عنوان (برزخ) تجربة جديدة تتكئ فيها على مخزون من التجارب والمحاولات المسبقة التي كان اللون فيها يتقاسم الأهمية مع الشكل.كانت حميدة ترسم محاكية كما ترسم معبرة وكانت في محاكاتها تقرب من الوصول إلى عالمها الباطن عندما تؤلف بين بعض العناصر المتناقضة أو ترسم علاقات تقربها - أحياناً- من صيغ وحلول السيرياليين، وإن غلب على تلويناتها حس انطباعي. كانت تحمل مواضيعها وأفكارها الخاصة، يتمثل فيها ملامستها جوانب اجتماعية أو تاريخية أو ذات جانب شخصي (ذاتي). وكانت عروضها المتتالية في القطيف وجدة ودمشق وغيرها سعياً للخروج عن أطر اشتغلت عليها لأعوام عرفت بها على المستوى المحلي، وعليه فلا يمكن عزل هذا النتاج عن بعضه إلا في بعض التجريبات التي انعكست في تجاربها التلوينية، حيث تجربة (الكولاج) التي قدمتها في معرض (أتيليه فن) بالقطيف، كانت معها تقص أوراقا وتخرمها وتؤلف فيما بين قطعها وترسم على أجزاء منها.وهو في الواقع إرهاص لمثل هذه التجربة الجديدة التي نشاهدها في (برزخ) لكن السنان سبق أن طرحت محاولات للاشتغال على الخشب وتوظيف خامات قماشية ومعاجين لا تنفصل كثيراً عما يليها من هاجس للتجريب والبحث. من تلك الأعمال (الكولاج) انعكست على أعمال تالية (تلوينية) وكأنها تحاول في كل ما يمكن أن يحقق لها خروجاً أو اكتشافاً جديداً.ومن هنا فإنها أيضاً تعود إلى تناول الطبيعة والرسم بإيحائها، مانحة هذا التوجه أو العودة بعضاً من رؤى وخيالات وصيغ متنوعة، لم تبتعد حميدة عن استعارة عناصر من محيطها عندما ترسم الأدوات والأبواب والمكان في شعبيته مضيفة الكائنات الحية كالطيور والحيوانات والشخوص، وبالتالي فهو تنويع لتحقيق فكرة ما أو للوصول إلى حل جديد ضمن اشتغالاتها الفنية في الخامة أو التلوين، أو حتى الصيغة.وظفت الأسلاك المعدنية والمعاجين والحبال والأوراق والكراتين وغيرها. وهي خامات استخدمتها أو أكثرها في أعمال سابقة وبتقنية ربما مختلفة لكنها في المعرض تبحث عن معالجة مستجدة واكتشاف لا يتشابه مع ما سبقه من نتائج. هي هنا في الممارسة والاكتشاف الأصعب وإن أسهمت الخامات في الإيحاء بالاختلاف والمغايرة، والعمل وإن بدا في تشكيله أو تكوينه خارجاً من لباس عمل سابق إلا أن الأعمال والتجربة تقدم نفسها على نحو من الاستقلالية وبما يعمق رؤية الفنانة واستخداماتها الجديدة لتحقيق أفكارها (الفنية والأدبية) لعل هذا التوظيف أو الاختيار في هيئة الأحدث هو الأصعب فقد تطلب نظرة أكثر حداثة واستيعاباً لما هو أجدر على الساحة المحلية على الأقل.واجهت هذه التجربة إشكالين يتعلقان بالأعمال، الأول في الأعمال نفسها والآخر في العرض.الإخراج بدا عليه نوع من الإرباك الذي شكلته الخلفيات المضلعة التي أرادتها الفنانة جزءاً من فكرتها الفنية المشغولة بالخامات، فقد حاولت منح بعض الخلفيات إن لم تكن جميعها تلويناً فاتحاً بدا باهتاً أحياناً، وغير متجانس مع العمل الأساسي، بل إن النظرة للعمل شابها نوع من الإرباك وهي تضع العمل في جانب يميل يميناً أو شمالاً.هنا كان العمل أكثر تأطيراً وتحديداً للتوجه الذي أرادته أساساً وفق المعالجة بل والخامات الموظفة.وقد تجاوزت هذا الإشكال في عمل واحد كانت الفنانة قد أوجدت حلاً، فيه التوظيف الذي كان أكثر جرأة للون حيث التبقيع والتبسيط في وضع المساحات وفي علاقتها بالعمل المشغول بالخامات.لكنا مع عمل يمثل إشكالية العلاقة بين العمل وخلفيته نجد ذلك العمل الكبير الذي يتكون من ثلاث قطع، خلفيته قطعة قماش (لوحة) مشغولة بأشكال وتلوينات ربما تكون ذات استقلالية عن العمل نفسه.لقد وجدت إقحاماً شديداً بين القطع، وحتى في طريقة عرض أحد الأعمال الذي اتخذ شكل الزاوية. إن مثل هذه القطع التي تشكل منها العمل أو أقامت فكرتها الأصلية عليها كانت أكثر قبولاً وعلى نحو أكثر تجاذباً وتناغماً لو أوجدت حلاً آخر لطريقة العرض بمنحها استقلاليتها عن الخلفية القماشية التي كانت هي الأخرى مثار إرباك شديد.الجانب الآخر هو المكان ومقدار استيعاب الأعمال. أعتقد أن الفنانة لم توفق في اختيار طريقة عرض أعمالها وتجربتها الجديدة التي كانت بحاجة إلى متسع بين الأعمال من جهة أخرى.التجربة التي قدمتها الفنانة حميدة السنان بعمر انفتاحها وخبرتها الفنية وإشرافها على مرسم تدرس فيه بعض الشابات الهاويات اتجه بعضهن إلى ماهو أحدث في الفنون، يعني أننا أمام جهد فني يسعى للتحديث وفق تصاعد وتنام وإصرار، يأخذ من التجربة الخبرة ويضيف إليها للوصول إلى نتائج مغايرة ولاكتشاف مناطق وحلول فنية جديدة على مستوى تجربتها الفنية الخاصة، ذلك هو ماحققته الفنانة.
شكلت الخلفية إرباكا شديدا للمتلقي