حسن السبع

حسن السبع

لا يهدف هذا المقال إلى جَبءر كسءرٍ أو تقويم اعوجاج، فهو مجرد دردشة رمضانية مُتَبَّلَةٌ بالدعابة، وعلى السادة الجادين المقيمين خارج جاذبية الدعابة والمرح العفو والصفح ومراعاة اختلاف الأمزجة وبعد: هنالك في عالم الصناعة ما يسمى الحصيلة الثانوية أو المنتج الجانبي by-product فالفضة، على سبيل المثال، ناتج ثانوي عن فصل الرصاص عن الصخور. كذلك النكات على الحموات المسكينات ليس سوى منتج ثانوي أو جانبي للنكات المرتبطة بالمؤسسة الزوجية، وبالعلاقة النزالية بين الزوج والزوجة الناتجة عن العشرة الطويلة والاحتكاك اليومي. وهي نكات موجودة في كل ثقافات العالم.وقد تفوَّقَ إخواننا المصريون في التنكيت على الحموات أكثر من غيرهم لسببين: الأول أن دمهم خفيف، وأن النكتة تجري في عروقهم، فهم شعب يحب النكتة ويفلسفها، ويحتج بها على كل ما يعكر مزاجه و(يعكنن) عيشته. وحسب تعبير الأستاذ عادل حمودة: "إنه الضحك الذي يطفو فوق الحزن ويتعالى على الموت". أما السبب الثاني لتفوق إخواننا المصريين في التنكيت على الحموات فهو أن الحماة هناك (قوة عظمى) تلعب دورا بارزا يعتبره الزوج أو الزوجة تدخلا في الشؤون الداخلية للإمبراطورية الصغيرة. وقد اعتادوا، تأسيساً على تلك العلاقة التي غالبا ما تفتقر إلى الود، أن يعبروا عن حسن الحظ بقولهم "حماتك بتحبك" على اعتبار أن حب الحموات شيء نادر الحدوث، وأنه لا ينال حبهن إلا من أوتي حظا عظيما. كما عبروا عن ابتسامة الحماة بباقة ورد اصطناعية جميلة بلا أريج. وفي أحد محلات بيع العطور شم أحدهم عينة عطر عرضها عليه البائع فقطب جبينه قائلا: "ياه.. العطر ده يصلح لحماتي!". ولكن، لكل قاعدة استثناء. فهنالك من الحموات الطيبات اللاتي يتفوقن على الأمهات ودّاً ولطفاً وإنسانية، وقد يقابل أو لا يقابل صنيعهن ذلك بالمثل، وفي ذلك يقول الشاعر: "إن الحماةَ أُولعتء بالكنَّه وأَبتء الكنَّةُ إِلاَّ ضِنَّهء" يعني أبتء إلا أن تضنَّ أو تبخل بحبها، ومن ثمَّ فإنه لا فائدة، أحيانا، من التودد إليها، فهنالك صورة نمطية للحماة لا تفارق الذاكرة، وحكم مسبق عليها، وريبة تاريخية لا تدع مجالا لمبادلة حب بحب. هكذا ورد البيت في لسان العرب لابن منظور. وفي رواية أخرى: "وأُوءلِعَتء كنَّتُها بالظنَّه". أي بالتهمة الممزوجة بسوء الظن وانعدام الثقة. ويقول أبو النجم في سياق لا أعرف حكايته: "سبي الحماة وابهتي عليها ثم اضربي بالود مرفقيها"!ومن الحموات الطيبات، على ذمة الأستاذ أنيس منصور، حماة قارئ الكف المصري محمد جعفر التي موَّلت إصدار كتاب له عن علم النفس، وقد طلب محمد جعفر من أنيس منصور أن يكتب مقدمة لذلك الكتاب. لكن يبدو أن التنكيت على الحموات قد أغرى أنيس منصور بمداعبة الرجل. يقول منصور في كتابه (الكبار يضحكون أيضا): "قرر محمد جعفر السفر إلى السعودية وأوصاني أن أكتب مقدمة لكتاب له عن علم النفس وأن أجعل الإهداء إلى حماته صاحبة الفضل عليه، والتي موّلت إصدار هذا الكتاب.. ولم أكتب المقدمة، وإنما اكتفيت بهذا الإهداء: "إلى حماتي وحيوانات أخرى"!! وكان هذا كافيا لقطيعة استغرقت سنوات. ولم يجد شاب مصري شيئا يهديه إلى حماته في عيد ميلادها سوى ديوان شعر رديء، وأما الطريف في الأمر فإن حماته كانت أمية ولذلك لم تحقق الهدية هدفها. أما في المجتمع الخليجي فإن دور الحماة على ما يبدو أقل شأنا منه في بعض البلدان، ولذلك فإن العلاقة بين الحماة وزوجة ابنها أو زوج ابنتها أقل توترا. ولكل قاعدة استثناء كذلك.وإذا كانت فيروز تقول: "شايف البحر شو كبير قدّ البحر بحبك" فهذا زوج يحب حماته حبا في اتساع المحيط وليس البحر. فقد طلب أحدهم من محاميه أن يدفن بعد موته في المحيط. ولما سأله المحامي عن السبب، قال: إن حماته قد حلفت أن ترقص فوق قبره! وهنالك نكات كثيرة تعبر عن هذا "الحب" المتبادل. فقد أرادت حماة أن تعبر لزوج ابنتها المريض عن اهتمامها بصحته فكتبت إليه أنها تتابع صفحة الوفيات يوميا. وهل هنالك أبلغ من هذا الاهتمام الذي يمتد من صفحة الوفيات إلى القبر. ولا يضاهي هذا الاهتمام إلا اهتمام ذلك الزوج الذي أكلت حماته نصف كيلو من السمك النيئ فأصيبت بشلل نصفي (كما تقول النكتة) فخرج مسرعا ليشتري لها نصف كيلو ثانيا!هذا الانطباع عن الحماة ليس حكرا على الثقافة العربية وحدها، ففي الثقافة الأمريكية أقوال ونكات كثيرة.. فالأمريكان يقولون: "الحماة الطيبة هي الحماة الميتة". ويقولون: "الطلاق أفضل وسيلة للتخلص من الحماة". وهنالك فيلم كوميدي عنوانه: الحماة المتوحشة monster-in law. ومن النكات الشائعة هناك أن أحدهم قد وجد مصباحا فأخذ يمسح عنه الغبار. فخرج منه عفريت كالعادة في مثل هذه الحكايات. وقال له إنه يستطيع أن يحقق له ثلاث رغبات أو أمنيات، لكنَّ حماته ستحصل على الشيء نفسه مرتين. وافق الرجل على ذلك الشرط، وتمنى أن يعطى عشرة ملايين دولار، قال له العفريت: لا بأس لكن تذكر أن حماتك ستحصل على عشرين مليون دولار في المقابل. قال الرجل: حسنا.. أمنيتي الثانية أن أحصل على بيت كبير على شاطئ البحر. فذكره العفريت قائلا: ستحصل حماتك على بيتين كبيرين على شاطئ البحر. قال الرجل: حسنا.. أمنيتي الثالثة أن أضرب علقةً تصل بي إلى منتصف الطريق إلى الموت! طبعا تعلمون ماذا سيحدث للحماة المسكينة بعد تلك الأمنية الماكرة.أما الطريف في أمر هذه النكات، فهو أن الناس تضحك من نفسها، وأن النكات ترتد لاحقا إلى أصحابها. فالزوج الشاب سيصبح حما، والزوجة الشابة ستصبح حماة يوما ما. لكن يبدو أنه كلما ازداد الوعي وتطور المستوى الثقافي والاجتماعي قلَّ تدخل الحموات في شؤون الكنات، وخفَّتء بذلك حدة النكات. كلما تطور المستوى الثقافي والاجتماعي تحقق شكل من أشكال التعايش القائم على الود والاحترام، بدلا من التناهش القائم على التنافر والخصام.. حمى الله الحموات الطيبات من كل سوء. وكل عام والقراء الكرام بخير.hsn_saba@hotmail.com