حسن السبع

حسن السبع

من التعريفات اللاذعة أن البخيلَ هو الذي يعيش فقيراً لكي يموت غنيا. وأنه شخص ينتحر جوعاً ليقتلَ ورثته بالتخمة! حيث يغدو المال غاية وليس وسيلة لتحقيق المتعة. أما متعة البخيل الوحيدة فهي معرفته أنه يمتلك مالا. هذه المعرفة تشيع في نفسه شعوراً بالرضا والطمأنينة. وإذا كان الغِنىَ هو عدم الرغبة في الحصول على مزيد من المال فمن المستحيل أن يصبح البخيل غنيا، لأن الرغبة في تكديس المال ترافقه حتى آخر يوم من حياته، فهو في خوف دائم من الفقر.. و(الناس من خوف الفقر في فقر). وفي هذا المعنى يورد الحكيم اليوناني إيسوب حكاية البخيل الذي باع كل ممتلكاته ليشتري بقيمتها سبيكةً ذهبية دفنها تحت حائط قديم، فكان يطل عليها يوميا ليعود مفعما بالبهجة. وقد لاحظ أحد العمال زيارات البخيل المتكررة إلى ذلك الحائط، وقرر أن يعرف سر هذه الزيارات. اكتشف العامل السبيكة الذهبية وسرقها، وحين قام البخيل بزيارته اليومية المعتادة وجد الحفرة فارغة فأخذ يشدُّ شعرَ رأسه ويصرخ متحسرا. علم أحد جيرانه بما حدث فنصحه أن يأخذ حجرا ويدفنه مكان السبيكة، ويتخيل أن السبيكة ما زالت موجودة في مكانها. (سوف يهوّن ذلك عليك، فأنت لم تكن تملك ذلك الذهب مادمت لم تسخره أصلا لاحتياجاتك)! ومعنى ذلك أنه لا فرق بين الحجر والذهب الذي لا يستفاد منه. أفرد الجاحظ للبخلاء سِفراً كاملا، وقد انتقيت في المقال السابق نموذجا واحدا هو الكندي. وكان الرجل عمدةً في علم البخل، أو حسن التدبير، كما يحلو له أن يسميه. (يخالف الأستاذ طه الحاجري فان فلوتن الذي يرى أن كندي الجاحظ هو الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي). وأياً كان المقصود فإن بعض بخلاء الجاحظ أكثر ظرفا وخفة ظل من بخيل موليير الذي يخاطبه سائس خيله قائلا: (وما دامت هذه رغبتك، يا سيدي، فإني سأخبرك صراحة بأن سيرتك مادة للتندّر على كل لسان، وأنه لا شيء يسعد الآخرين أكثر من السخرية منك، أو أن يحكوا قصصا لا حصر لها عن بخلك. يقول أحدهم إن لديك نسخة خاصة من التقويم ضاعفت فيها عدد أيام الصيام لتلزم بها نفسك ومن في بيتك. ويقول آخر إن لديك خناقات جاهزة تفتعلها مع الخدم في أعياد الميلاد، أو حين تنتهي خدماتهم كي تتفادى إعطاءهم إكراميات. ويُحءكىَ، كذلك، أنك قد قاضيتَ قطة الجيران لأنها أكلت بقايا ساق خروف. ويقول آخر إنك قد سرقت ذات ليلة علف خيولك..) . لم يسمع الجاحظ ولا موليير بحكايات بخلاء هذا العصر.. ومنهم السيد (ستمبي) وزوجته (مارثا). فقد اعتادا على الذهاب كل عام إلى معرض بورتلاند بولاية مين الأمريكية. وفي كل زيارة للمعرض يشاهد ستمبي الطائرات الصغيرة التي يستأجرها بعض الزوار للتحليق من أجل التسلية، ويخاطب ستمبي زوجته قائلا: ( تعرفين يا مارثا.. كم أحب أن أحصل على طلعة بالطائرة!). فترد مارثا قائلة: (أعرف ذلك.. لكن الطلعة تكلف عشرة دولارات.. وعشرة دولارات يعني عشرة دولارات!). بعد أعوام، وأثناء زيارتهما المعتادة للمعرض قال ستمبي: (اسمعي يا مارثا.. عمري الآن واحد وسبعون عاما، وإذا لم أحصل على طلعة بالطائرة هذا العام فلن يحدث ذلك أبدا!) وترد مارثا قائلة: ( ولكن عشرة دولارات يعني عشرة دولارات!). سمع الطيار حديثهما فعرض أن يأخذهما في طلعة بشرط أن يبقيا هادئين.. لا كلمة.. لا صرخة.. ولا نفس.. وفي حالة الإخلال بالشرط عليهما دفع عشرة دولارات. وافقا وصعدا الطائرة، وقام الطيار أثناء الطيران بكل الانعطافات والتقلبات والاستعراضات المثيرة الخطيرة دون أن تصدر منهما كلمة أو صرخة. وعندما هبط التفت إلى الزوج قائلا: (برافو.. لقد عملت ما في وسعي لكي تصرخا أو تتفوها بكلمة لكنكما صمدتما حتى النهاية!). فرد الزوج قائلا: (كدت أن أصرخ عندما سقطت مارتا من الطائرة.. لكن عشرة دولارات يعني عشرة دولارات!!). يعيب طرفة بن العبد على البخلاء الذين يقترون على أنفسهم ومن حولهم، وكأنهم سيأخذون مالهم إلى القبر ويرى أنه لا فرق تحت الأرض بين البخيل والمبذر: ( أرى قبر نحام بخيل بماله/ كقبر غويٍّ في البطالة مفسدِ/ ترى جثوتين من تراب عليهما/ صفائح صمٍّ من صفيح منضَّدِ). غير أن السيد (ستينجي) قد أراد أن يخالف هذه القاعدة فيأخذ ماله معه إلى القبر. وستينجي رجل فاحش الثراء، لكنه لا يصرف مليما واحدا على مخلوق آخر، إذا استثنينا زوجته. لذلك أوصى قبل أن يموت أن يوضع ماله معه في التابوت. وبالرغم من بخله الشديد فقد كانت زوجته تحبه، مع أن النساء لا يُطِقنَ الرجلَ البخيل. وقد وعدته الزوجة بأن تنفذ وصيته. مات الرجل وأثناء إجراء مراسم الجنازة كانت تحمل معها صندوقا، وعندما حان موعد إغلاق التابوت تقدمت ووضعت الصندوق داخله. كانت صديقتها في غاية الدهشة، فتقدمت منها قائلة: (أتمنى أن لا تكوني مغفلة إلى هذا الحد فتضعي كامل ثروته معه في التابوت!) قالت الزوجة: لقد وعدته بتنفيذ وصيته، وسأكون عند كلمتي!. قالت صديقتها: (هل أنت جادة؟) (طبعا! لقد حررت له شيكاً بذلك!). كده فهلوة وإلا بلاش! قبل أن يتطور الأداء الفني في الجريدة، كنا نعتمد على خطاط الجريدة في كتابة العناوين، حيث يطلب المحرر من الخطاط أن يخط له العناوين الرئيسة والفرعية. وكان الخطاط محمود ظريفا صاحب نكتة. وعندما أطلب منه نوعا من الخطوط يستجيب إلى طلبي بعبارة يسخر بها من البخلاء قائلا بلهجته المصرية: (أيتها حاجة إلا الفلوس)! وكنت أخاطبه محرِّفاً قول أبي الشمقمق: (نوالك دونه خرط القتادِ.. و (مالك) كالثريا في البعاد/ أرى عمرَ (الريال) يطول جدا.. لديك كأنه من قوم عادِ)! ونضحك معا على البخل والبخلاء. البخل صفة مذمومة، وأكثر ما يضني النفس هو أن تسافر مع بخيل. فهو لا يقل شدة ومشقة من وعثاء السفر، لأن المتعة والتقتير لا يجتمعان. مع ذلك فنحن مدينون للبخلاء بهذا الإرث الأدبي الضاحك. فلولا سلوكهم ذلك لما تحركت قرائح الأدباء بكل تلك الصور الفنية الضاحكة.hsn_saba@hotmail.com