محمد الحرز

محمد الحرز

من الخطأ الاعتقاد أن التزمت الديني في الوطن العربي وثيق الصلة ببروز الإسلام السياسي الذي يحمل في داخله بذور التطرف والعنف . ثمة فروقات وتباينات ينبغي الكشف عن سماتها وخصائصها طالما لم نزل في حديثنا عن ظاهرة الإرهاب العالمي نحيل مجمل الأسباب التي ترتبط بهذه الظاهرة إلى الأصولية الإسلامية دون أن نعمق النظر في هذه الأسباب . وكذلك النظر في حراكها التاريخي , وكأن الأصولية الإسلامية تحولت في الخطاب السياسي العالمي إلى إيديولوجيا بديلة تغذي مخيلة الكتاب والمفكرين والسياسيين والصحفيين الغربيين منهم والمشرقيين على اختلاف توجهاتهم الثقافية والسياسية , وتمدهم بتصورات عن الإسلام في علاقته بالإرهاب,بحيث غالبا ما تكون هذه التصورات ذات طابع اختزالي لا تمت إلى ما يجري في المجتمعات العربية من تحولات تطال جميع مفاصل حياته . لكن الإيديولوجيا البديلة في الخطاب نفسه استدعت أصوليات أخرى , ويمكن الكشف عن جذور هذا الاستدعاء في تحولات ما قبل الحادي عشر من سبتمبر باعتباره التحول الذي أسس إلى رؤية أصولية في الخطاب السياسي العالمي , وهناك حدثان يدلان على هذا التأسيس , الأول: هو حدث انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وصعود خطاب هنتنغتون وفوكوياما واعتبار الإسلام وأصوليته هو الخطر الذي يهدد الحياة الرأسمالية الليبرالية في الغرب. لا شك أن الكثير من المحللين والكتاب والمفكرين تصدوا إلى أطروحات هنتنغتون وفوكوياما في حينه , ووضعوها موضع التساؤل والنقد , ولكن ما يهمني في خطابهما, رغم التباين في أطروحة كل منهما, هو الكشف عن السمة الوثوقية التي تفضي إلى نوع من الأصولية المعاصرة , وهي تكمن في ظني في الإيمان المطلق حد التطرف بالليبرالية الجديدة التي هيمنت على الخطاب السياسي الغربي . لقد كانت الباحثة أليسون جاغار من أشد المنتقدين لهذا التوجه , وحاولت في بحوثها العديدة تحليل الدمار الذي خلفته هذه الليبرالية الجديدة على المجتمعات الغربية والعالم الثالث بخلاف ما كان أصحاب هذا التوجه يدعونه في خطابهم السياسي والفكري . تقول (الليبرالية الجديدة هي الاسم الذي يطلق على نسخة النظرية السياسية الليبرالية التي تهيمن في الوقت الحالي على خطاب العولمة . تفترض الليبرالية الجديدة أن الربح المادي هو الهدف الطبيعي للحياة البشرية , وتعتقد بأن الوظيفة الأساسية للحكومة هي جعل العالم مأمونا وقابلا للتنبؤ به بالنسبة للمشاركين في اقتصاد السوق. رغم أن اسم الليبرالية الجديدة يوحي بأنها نوع جديد من الليبرالية , فإنها في الحقيقة تبدي تراجعا عن الديمقراطية الاجتماعية الليبرالية للسنوات التالية للحرب العالمية الثانية). إن مكمن التوجه الأصولي في هذه النظرية هو طابعها التبشيري الذي يصل حد العقيدة بأهدافها ورؤيتها لمستقبل البشرية , هذا الطابع يكمن بالتحديد في اتكاء هذه النظرية على خطاب أخلاقي مراوغ يسطح النظرة إلى مشاكل وقضايا العالم أكثر من أن يعمقها ويكشف عن أسبابها , وهذا ما يحيلنا إلى الحدث الثاني الذي أشرنا إليه سابقا , وهو بزوغ شمس النظام العالمي الجديد الذي بشر به سياسيو العالم . لقد بشر به الرئيس الأمريكي بوش الأب في خطابه في 11 أيلول سنة 90 م أثناء تحرير الكويت ,فهو تحدث عن الظلم السائد في العالم والرعب الذي يهدده , وأن هذا النظام بالتأكيد يشكل الجنة الموعودة للبشر على الأرض . لقد كان هذا الخطاب النموذج الذي حمل التوجه الليبرالي الجديد ولكن بصيغ مختلفة ومتباينة بينما الغاية هي في نهاية المطاف التأكيد على رسولية المهمة . لكن سرعان ما تحولت هذه الأصوليات في الخطاب السياسي بعد أحداث منهاتن إلى أصوليات اصطبغت بصبغة التراث المسيحي واستدعيت مصطلحات من قبيل : محور الشر , الشر المطلق , والشرير وهي كلمات لها مدلولها في التراث المسيحي , وتحيل بديهية إلى الشيطان , وتظهر مرارا في التوراة , وبصيغ مختلفة في إنجيل "متى" . بالطبع لم يكن خطاب بوش الابن وحده في الاصطباغ بهذه الميزة الأصولية , لقد تغلغلت في الكثير من خطب السياسيين الغربيين اليمينيين المتطرفين سواء كانوا رؤساء دول أو أحزاب سياسية . وفي هذا السياق عندما سئل الفيلسوف جاك دريدا عن دور الدين في الحرب ضد الإرهاب وضد صراع الأصوليات المتطرفة في الخطاب السياسي العالمي ؟ أجاب " نحن نتحدث عن حرب غريبة دون حرب. وهي غالبا ما تتخذ شكل المواجهة الظاهرية على الأقل بين مجموعتين يظل انتماؤهما الديني انتماء قويا . فعلى الجانب الأول نجد أنفسنا حيال القوة العظمى الوحيدة في العالم التي تطبق ديمقراطية من النوع الأوروبي .على الرغم من الفصل المبدئي للدين عن الدولة ,فإنها تتمسك بالاستناد جوهريا إلى الكتاب المقدس " المسيحي قبل كل شيء" وذلك على مستوى الخطاب الرسمي لسياستها ولقادتها . وتذكرنا عبارات مثل فليبارك الرب أمريكا أو فاعلي الشر أو بخصوص شعار العدالة المطلقة بأنها علامات من علامات أخرى عديدة تدل على ذلك . وعلى الجانب الآخر نجد أن هناك عدوا يعرف نفسه بأنه إسلامي أو أنه إسلامي أصولي متشدد وإن كان لا يمثل بالضرورة الإسلام الحقيقي . إذن نحن بصدد مواجهة بين نوعين من أنواع اللاهوت السياسي المنحدر على أية حال من هذا الأصل المشترك لما سميته بالوحي الإبراهيمي ". خلاصة القول : إن من يتتبع تحول الأصوليات في الخطاب السياسي الغربي يظهر له أنها تشكلت ثم نضجت قبل أن يتبلور خطاب سياسي إسلامي أصولي . صحيح أن فترة التسعينات شهدت صعودا للتيار الإسلامي السياسي المتطرف والمتشدد لكنه لم يواكبه خطابا سياسيا منظما من العمق بحيث يتبادل مواقع التأثير مع الخطابات الأصولية الأخرى , بل ظل يعتمد على موروث أخلاقي وفقهي مقطوع الصلة بمشاكل الواقع السياسية وليست الدينية , وهذا ما يحدونا للقول أن الأصولية الإسلامية لم تمتنع عن الاستعمال الإيديولوجي من طرف الخطاب السياسي الغربي , وذلك نظرا لهشاشة خطابها السياسي من جهة , ومن جهة أخرى نظرا لعدم النضوج في رؤيتها للعمل السياسي الذي يتطلبه الواقع العربي المعقد في ظل التحولات التي طالت شعوب العالم جميعا. لذلك أجد من المهم والضروري توضيح هذه المسألة وتبيان مفاصلها قبل كشف الالتباس الذي يقع بين التزمت الديني والاسلام السياسي , وما حللناه سابقا يوضح جزءا من المسألة , ولكن أين يقع الالتباس الآخر ؟! أنه يقع في الخطاب الأخلاقي الموروث قبل أن يتحول إلى خطاب سياسي متطرف , والسؤال الذي يرفع الالتباس يكمن في مسافة التحول الزماني والمكاني والاجتماعي والثقافي بين الخطابين , ولعل الاسترسال في الإجابة نتركها في مقالة قادمة. mohmed_z@hotmail.com