حسن السبع

حسن السبع

هل نُجَدّف عكس التيار إذا تناولنا طرائف بعض البخلاء في شهر موصوف بالكرم؟ قد لا يكون الأمر كذلك، فالأشياء تعرف، أو تذكر، بأضدادها. وقد شمل رمضان بكرمه حتى البخلاء فصار نهاره عذرا أو حجة للبخيل، كما يعبر المثل. ويؤكد صحة هذا ما قاله أبو نواس في أحد البخلاء: (رأيت الفضلَ مكتئباً.. يناغي الخبزَ والسمكا / فقطَّبَ حين أبصرني.. ونكَّس رأسَه وبكى/ فلمَّا أن حلفتُ له.. بأني صائمٌ ضحكا!) لكن البخل والكرم نسبيان أحيانا. ففي بيئتنا الخليجية، على سبيل المثال، قد تسمع في زاوية من زوايا المقهى أو المطعم لغطاً بين مجموعة من الأصدقاء، وكأن معركة ما على وشك الاندلاع، ثم تتبين أن ذلك ناتج عن التسابق على دفع فاتورة الحساب. وقد يتسلل أحدهم خلسة ويسدد الحساب دون علم أحد، وعندما تُطلب الفاتورة يكتشف الجميع أن (عكاشة) قد سبقهم إلى تسديدها. لكل قاعدة استثناء. ولذلك تختلف هذه الصورة عن تلك التي يرسمها كاتب هذه السطور بقوله: (وأتى لنا في مطعمٍٍ فخمٍ فأطءعِمَ وارتوى/ وأتى على (طنٍّ) من الأكل الرفيع المستوى/ لم يبقَ صحنٌ ما غزاه مُفرِّغاً للمحتوى/ حتى رأى كشفَ الحسابِ فغابَ عنَّا وانزوى). وقد يجتمع الأصدقاء أو الزملاء في بعض البيئات الأخرى على طاولة واحدة، ويستمتعون بالرفقة، ثم يدفع كل واحد منهم حساب فاتورته. لذلك فإن النادل عادة ما يسأل: فاتورة واحدة، أم كل فاتورة على حدة؟ وقد يستغرب العربي أن يقترح عليه زميل الدراسة الغربي تناول كوب قهوة ثم يضيف إلى ذلك قائلا: (سأدفع قيمة القهوة)! كما قد يستغرب زملاء الدراسة من الثقافات الأخرى أن يبادر طالب عربي فيدفع الحساب عن الجميع. لا يتوقع أحد هناك مثل هذا التصرف. ولا علاقة لذلك بالكرم أو البخل الذي هو موضوع هذا المقال.لكنَّ ما نسميه بخلاً يسميه الكندي (حسن تدبير)، فينقل عنه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قوله: (إنما المال لمن حفظه، وإنما الغِنى لمن تمسَّك به، ولحفظ المال بنيت الحيطان، وغلِّقت الأبواب، واتخذت الصناديق، وعملت الأقفال، ونقشت الرشوم والخواتيم). وكان الكندي عمدة في البخل، أو حسن التدبير، كما يحلو له أن يسميه. كان يرفع قيمة إيجار الدار كلما زاد عدد أفراد العائلة المستأجرة، وكان يبرر تلك الزيادة بسرعة امتلاء البالوعة، وما في تنقيتها من تكاليف، وبأن كثرة المشي على السطوح المطينة، والأرضية المجصصة، تعمل على تقشير الطين وتآكل الجص، وتكسر العتبات. فإذا كثر الدخول والخروج، والفتح والإغلاق، وجذب الأقفال، تهشَّمت الأبواب، وتقلَّعت الرزَّات، وانخلعت المسامير، ناهيك عن خراب الحيطان بما يركب عليها من رفوف. وإذا كثر العيال والزوار والضيوف والندماء ازداد استهلاك المياه، فرشحت الجرار بالماء، وتسبب ذلك في خراب أساس الحيطان، وتآكل الجدران، وتداعي البنيان. ومع كثرة الأفراد تزداد النشاطات الطهوية، ويزداد تبعا لذلك احتمال نشوب الحرائق، (والنار لا تبقي ولا تذر، وإنما الدور حطب لها). ويضيف إلى مبررات رفع الإيجار سببا آخر هو مماطلة المستأجر في السداد، وآثار الخراب التي يخلفها بعد تركه الدار. قد لا تكون من أصحاب العقارات أو (المسكّنين) كما يسميهم الجاحظ، إلا أنك ستتفهم ما ذهب إليه الكندي عندما تتأمل سلوك بعض المستأجرين، وقد تنصح أصحاب العقار بالرجوع إلى رسالته تلك للإفادة مما جاء فيها. إذ تعكس تصرفات بعض الأفراد خللا في طريقة التفكير. وقد أشرت في مقال سابق إلى ذلك المسـتأجر الذي لا يغادر الشقة أو البيت الذي آواه وأسرته سنين طويلـة دون أن يعيث فيه خرابا، وكأنه ينتقم من المالك. ومثله ذلك الذي يغادر غرفة الفندق وقد ترك كل الأنوار مضاءة، وربما ترك حنفيات الماء مفتوحة، والغرفة في حالة يرثى لها. فكأن ما دفعه نظير إقامته في الفندق يبرر له ذلك السلوك غير المسؤول. وخذ، مثلا، ذلك الذي يستأجر سيارة من إحدى وكالات تأجير السيارات، فيتعامل معها بلا رحمة (وكأن أمها نطحته). يقودها بشكل لا يرضى به لسيارته الخاصة التي يدللها (وكأن أمها أرضعته). ولو أدرك الكندي عصر السيارات لوضع شروطا وقواعد لتأجيرها أكثر صرامة مما تفعل وكالات تأجير السيارات. تصرفات لا تدل إلا على خلل في السلوك واعوجاج في طريقة التفكير، كما أنها لا تعكس شعورا بالانتماء للمكان. أشرت في ذلك المقال، كذلك، إلى أن المدينة هي بيتنا الكبير، ولذلك فإن كل ما فيها من مرافق ومنافع مسؤولية الجميع، سواء كانت غرفة في فندق أم منتزها أم شاطئا أم سيارة مستأجرة. لكن هذا ليس موضوع هذا المقال. البخل، وكما قدمنا، سلوك مقيت، لكننا مدينون لأولئك البخلاء بهذا الإرث الأدبي الضاحك. فلولا سلوكهم ذاك لما ألف الجاحظ كتاب (البخلاء) تلك التحفة الأدبية العظيمة، ولما تحركت قرائح الشعراء والأدباء بكل تلك الصور الكاريكاتورية التي تسخر من ذلك السلوك. يصور الحطيئة تصرف أحد البخلاء بقوله: (تشاغلَ لمَّا جئتُ في وجه حاجتي/ وأطرق حتى قلتُ قد مات أو عسى)! وعن الموقف نفسه يعبر كاتب هذه السطور قائلا: (وطلَبءتُ منهُ معونةً / فَدَنَا قليلاً ثمَّ كَشء / وتعثَّرتء كلماتُــهُ / واصفَرَّ وجهاً وارءتَعَشء / وخشيتُ أنء يُغءمى عليه / فقلتُ: أَمءزَحُ فانتعشء). أما حمَّاد عجرد فيمنح أحد البخلاء، ساخرا، إجازة في الطب حين يقول: (حريث أبو الفضل ذو خبرة / بما يصلح المِعَدَ الفاسدة / تخوَّف تخمةَ أضيافه / فَعوَّدهم أكلةً واحدة). أي أن ذلك ليس تقتيرا لكنه حرص على صحة الضيوف! وأما بشار بن برد فيقرر أنك لا تستطيع أن تلقى أحد البخلاء إلا إذا نصبت له كمينا. (إذا جئته في حاجةٍ سدَّ بابَه / فلم تَلءقَهُ إلا وأنتَ كمين)!الصور الضاحكة عن التقتير أو حسن التدبير كثيرة، غير أن المساحة المتاحة، هنا، لا تتسع لمزيد من تلك الصور. لذلك، سيكون للحديث بقية نتناول فيها حكايات بخلاء لم يدركهم الجاحظ.. إلى اللقاء.hsn_saba@hotmail.com