محمد الحرز
أثارت مقالة الأسبوع الماضي حول العراق والمبادرة العربية الكثير من ردود الأفعال الغاضبة , والتي صنفت المقال على أنه يجانب الصواب والحقيقة , ويتوه في الأوهام التي يطلقها الذين لا يريدون الخير للعراق وأهله . الأمر بالنسبة لي لا يتجاوز كونه أمرا طبيعيا , فالآراء والقناعات السياسية تظل في نهاية المطاف تخص كاتبها وحده بالدرجة الأولى , ولا يمكن فرضها لا بالشحن العاطفي , ولا بالحماسة المفرطة , إنما يكون من خلال التحليل المنطقي الموضوعي المرتبط بمصادر ومعلومات وثيقة الصلة بالأحداث التي تجري على أرض الواقع لا سيما إذا كانت قضايا مصيرية تمس الوضع العربي الراهن , خصوصا الوضع الحالي في العراق . لا أريد في هذه المقالة الدخول في نوع من السجال الذي لا طائل من ورائه , أو الدفاع عن مجمل الآراء التي وردت في سياق المقالة السابقة , لكني عوضا عن ذلك أريد أن أطرح السؤال التالي : هل التفكير في قضايانا السياسية يعيش أزمة تعكس بصورة أو بأخرى أزمة الفكر العربي الإسلامي في لحظته الراهنة ؟! السؤال أولا يحيلنا إلى تاريخ الفكر السياسي العربي المعاصر باعتباره موضع الإشكالية والأزمة , أما ثانيا فهو ينطوي على رؤية للسياسة باعتبارها جزءا من أزمة شاملة تطال الإنسان العربي في جميع مفاصل حياته . وهي رؤية لم تنل الاهتمام الكافي عند المفكرين الإصلاحيين في عصر النهضة على اختلاف توجهاتهم الليبرالية والإسلامية , بل كان تفكيرهم يشخص أزمة التخلف في العالمين العربي والإسلامي من منطلقات سياسية بينما ظلت المنطلقات الأخرى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بمعزل عن مقتربات التشخيص , أو لنقل كان الاهتمام بها أقل منزلة من مسألة السياسة إلا ما ندر من المفكرين الذين تبنوا قضايا راهنوا عليها في سبيل الخروج من مأزق التخلف مثل طه حسين حينما راهن على قضية التربية والتعليم كعامل مهم في تحديث مؤسسات الدولة والمجتمع في مصر , وقد عمل جاهدا في تأسيس تعليم مدني لا يخضع للمؤسسة الدينية خصوصا الأزهر لكنه في نهاية المطاف تراجع عن بعض قناعته خوفا من سلطة الأزهر الدينية .أنظر مقترحاته بهذا الخصوص في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) .إذن هذه تجربة من تجارب كثيرة مرت على الفكر الإصلاحي العربي لكنها أما أجهضت في حينها أو أن مآلها كان الفشل والنسيان . وعندما نفحص هذه المنطلقات السياسية نجدها تتركز عندهم في إشكالية الاستبداد والتسلط يتساوى في ذلك سواء من سموا السلفيين أو من نعتوا بالليبراليين . يقول علي أومليل في كتابه ( الإصلاحية العربية والدولة الوطنية ) " ... فالجميع ينطلق من إشكالية واحدة تقبل بالتأخر وترجعه إلى طبيعة المؤسسة السياسية وتقيمه بناء على ثنائية الشرق والغرب . وفي هذا كله يعكس هؤلاء جميعا الصورة التي كونها المفكرون الأوروبيون أنفسهم ( خاصة مفكري القرن الثامن عشر) عن الشرق وعن تأخره الذي أرجعوه إلى نظامه الاستبدادي . فحتى المصلحون السلفيون المحدثون قبلوا بهذه الإشكالية , فتحدثوا هم أيضا عن تقابل الشرق والغرب , وحصروا المشكل في نظام السلطة , وصبوا جام غضبهم على الاستبداد الذي اعتبروه السبب الأول في الانحطاط , ودعوا إلى تقييد السلطة بأصول العدل الإسلامي " . لذلك يستنتج علي أومليل انطلاقا من التركيز على هذه الإشكالية أن المطالبة بالدستور كانت عندهم هي المعالجة السياسية لإصلاح السلطة في الوطن العربي , وعليه فقد تشكلت الأحزاب السياسية دون أن تستند على قاعدة شعبية يترسخ من خلالها العمل السياسي المشترك الذي يؤدي إلى التداول السلمي للسلطة , بل انحصر اهتمامها السياسي على تكوين رأي يطالب بالدستور من جانب , ولكنها- من جانب آخر- ظلت ضيقة الأفق في فهمها لإشكالية الأزمة التي تعيشها مجتمعاتها ناهيك عن عدم فهمها العميق للتراث الفكري السياسي الغربي الذي استمدت منه أغلب مفاهيمه عن العمل السياسي. ثم جاءت نكسة 67 التي أجهزت على تصورات الإصلاح السياسي لدى أغلب النخب والأحزاب السياسية . إن الغاية أو الفكرة التي أطمح للوصول إليها من خلال التحليل السابق هي تبيان أمور عدة أجملها فيما يلي : أولا : الخلل الذي كشفنا عن جزء من مسبباته في التفكير السياسي العربي, ينبغي أن ألا ننسى أنه خلل ارتبط بتفكير النخب السياسية ولم يرتبط بعموم الجماهير . لقد كانت الجماهير غائبة أو مغيبة- إذا صحت العبارة- عن هذه الرؤى والمشاريع السياسية الإصلاحية . لذلك لم يكن هم الإصلاح السياسي هو هم يومي يجري تداوله عند غالبية الناس بسبب غياب هذه الجماهير عن المعادلة السياسية في أذهان تلك النخب , وبسبب -أيضا- الوضع الاقتصادي المتدهور الذي أطبق بفكيه على شرائح الطبقة الوسطى من أبناء المجتمع . ثانيا : هذا الخلل أدى لاحقا إلى هشاشة الوعي السياسي في التفكير اليومي عند غالبية الناس , ناهيك عن المنظور الديني للسياسة الذي بدأ يستشري في صفوف العامة, وذلك في أدبياتهم وتحاليلهم بخصوص ما يحدث من متغيرات في العالم والعالم الإسلامي على وجه الخصوص ومع تنامي حركات الإسلام السياسي منذ التسعينات دخل تفكيرنا السياسي في متاهة الحل الإسلامي الشامل , فظهرت مفاهيم كثيرة مثل مفهوم الشورى الذي انتزع من سياق تراثه الديني الذي أنولد فيه , واستخدم في سياق سياسي لا ينتمي إليه على الإطلاق . يقول برهان غليون " ان مفهوم الشورى بقي مفهوما دينيا , وانتقل من خلال الدين إلى الحياة العامة , فأصبح مفهوما أخلاقيا وتربويا , ويستوي هذا الاستخدام التربوي على مستوى الدولة أو الأسرة أو العشيرة . فصارت الشورى تعني تربية الناس على ألا يكونوا مستبدين في آرائهم " . ثالثا : هذا المفهوم وغيره من المفاهيم الأخلاقية التربوية الأخرى قد دخلت مجال التفكير السياسي عند الغالبية وكأن اللعبة السياسية ليست سوى خطاب أخلاقي يمكن كشف أوراقه وألاعيبه بسهولة ويسر انطلاقا من ذهنية المؤامرة وكذلك الحلول الجاهزة و الخوف على الهوية الإسلامية من عدائية الآخر . لا يمكن أن يكون التفكير السياسي بهذا الشكل . إن المشكلة الأساسية التي نعيشها في مجال التفكير السياسي من خلال أدبياته وتحاليله هو غياب مفهوم الدولة الذي يركز على وظيفة تحقيق المصالح الوطنية الكبرى في مجالها الحيوي , وكذلك تجسيد المصالح الاستراتيجية التي تعتبر هي في العمق كيان أي دولة في علاقاتها السياسية الدولية . وكما نرى لا يوجد أي تعليل ديني يفضي إلى تحقيق هذه المصالح الكبرى لأي دولة كانت , ولكن هذا لا يمنع من جانب آخر أن يستخدم الدين أو البعد الطائفي أو القبلي في تحقيق مكاسب سياسية لهذه الدولة أو تلك كما يجري حاليا في العراق في علاقته مع الجوار الإقليمي.mohmed_z@hotmail.com