مطلق العنزي
كان يمكن للأمريكيين وأعوانهم في العراق أن ينسجوا أكثر القصص تشويقاً، حول البطولات الأمريكية لتحرير العراقيين، و"أفلاما" عن جيسيكا لينش مثلاً، وحول فظائع "العرب" الوحوش التي دائماً تحاول افتراس إسرائيل النائمة بزعامة "حمامة السلام" شارون، و"باقة الدمويين" في الليكود.يمكن اختراع أي حكاية إلا حكاية "أبو مصعب الزرقاوي"..مع كل يوم يمر تزداد صعوبة تصديق حكاية الزرقاوي، إلى درجة الاستحالة أحياناً..وقد تحول الزرقاوي بفضل الأمريكيين و"توصيات" الإسرائيليين والإيرانيين وبركاتهم، إلى أسطورة في العراق. فهو يشبه القدرات الخارقة للرجل الوطواط "باتمان". بل أنه يتفوق عليه. إذ تبين لنا الدعاية الأمريكية والإيرانية كما لو أن الزرقاوي يتمشى وكأنما العراق حديقة نزهة للزرقاويين.منذ سنتين ونصف السنة والزرقاوي الإرهابي كما يقول الأمريكيون، والتكفيري كما يقول الإيرانيون، يسرح ويمرح في العراق. وتلقي القوات الأمريكية وقوات بيان صولاغ القبض على عشرات ومئات الأتباع للزرقاوي. ومنذ مدة طويلة تشن جحافل الاباتشي والـ F-16 والابرامز وهمفي غارات دورية على قرى بهدف القبض على الزرقاوي، بمساعدة قوات مليشيا، وبشمرقة، ومرتزقة، وتسلط أضواء الأقمار الصناعية الأمريكية والتقنية العالية للتجسس على قرى بحجم كيلومتر ومع ذلك يختفي الزرقاوي في كل مرة، ويتبخر كما السراب، رغم كل هذه الجيوش العرمرم التي خططت أياما وليالي للقبض عليه..!.. ما هذه "الكرامات"..!!.؟لا نعلم هل الأمريكيون والإيرانيون يعادون فعلاً الزرقاوي أو يودون تحويله من إرهابي إلى "قديس" ومن تكفيري إلى "جهادي" ومن دموي إلى "رباني" يحظى بكرامات..؟خاصة أن العراق ليست "تورا بورا" ولا "وزيراستان"، وبعض قرى العراق التي قيل أن الزرقاوي كان يتحصن بها وهاجمها الأمريكيون وأتباعهم بأقسى الأسلحة وأفظع الأساليب، لا تعرف تلاً واحداً.. أو حتى ربوة.ومع ذلك يتبخر الزرقاوي مرة أخرى.وهذا ما يجعل أتباع خط الزرقاوي الوهم يتزايدون، ويصبحون أكثر إيماناً وثقة بأعمالهم، مهما كانت خاطئة أو مجرمة بحق الأبرياء..المهم أن مخترع حكاية الزرقاوي يبدو أنه يتمتع بخيال ضيق. أو أنه جعل من الزرقاوي خارقاً وكرامياً وبطلاً، لكي يجذب للعراق المزيد من المغامرين لجمعهم في منطقة القتل.ومن الأخطاء الأمريكية الإيرانية أنها جعلت كل من يعارض الاحتلال زرقاويا "أجنبي"، لو أنهما اعترفا بوجود مقاومة، وبوجود مقاتلين يسعون لحقوق سياسية، فمن المنطقي أن يقاتل العبثيون لإرغام حكومة الخصم على إصدار عفو عام عنهم مثلاً، لتم عزل ما يقال أنهم أجانب، وتقليص العمليات الانتحارية إلى أن تكون معزولة ونادرة. ولجعلت في حدودها الساخطة، وليس هذه المعركة الانتقامية من الجانبين: المقاتلين وميليشيات الحكومة. ومثلما الزرقاويون يمارسون انتقاماً فإن ميليشات الحكومة العراقية تمارس نفس الأسلوب، وبذلك يستمر القتال ويتطور إلى جرائم.ثم على العراقيين أن يفتحوا عيونهم، فكل من له مصلحة بتدمير العراق كوحدة وكقوة فإنه سوف يكون مهندساً لهذا التخريب.لم تجازف الولايات المتحدة بأبنائها وأموالها لمجرد أن تقدم العراق للجرحى تعويضاً عن ليال العويل، بل هي فعلت هكذا ليدخل العراق في حالة فوضى لا يكون قادراً بعدها أن ينبس بكلمة ضد إسرائيل. وتفتيت العراق يخدم إسرائيل وإيران معاً. وتود إيران أما أن يكون العراق تحت نفوذها وتمسك برقبته، أو أن يكون مفتتاً مفككاً بحيث لا يستطيع رفع رأسه ضدها مرة أخرى. خاصة أن تفتيت العراق يخل بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة لصالح إيران وإسرائيل. malanzi@alyaum.com