محمد الحرز
هل التحرك السياسي العربي جاء متأخرا ؟ هذا السؤال راودني عندما تحركت الجامعة العربية واقترحت صيغة مصالحة وطنية لجميع التيارات السياسية الموجودة في العراق , وذلك على أثر اجتماعها على مستوى الوزراء في مدينة جدة , الذي بناء عليه سيتوجه عمرو موسى إلى بغداد حاملا هذا الطموح بين يديه , لعل وعسى أن تكون المصالحة الوطنية في العراق تحت مظلة الجامعة العربية مثلما كانت لبنان تحت مظلة اتفاقيات الطائف . لا يمكن الجزم بسهولة المهمة , ولا الاعتقاد بإمكانية عقد مؤتمر مصالحة وطنية يضم جميع الفرقاء العراقيين . إن الوضع أكثر تعقيدا في العراق , ومن يعتقد خلاف ذلك فهو ينظر من زاوية واحدة , بحيث يتعامى عن بقية الزوايا التي تمس أزمة العراق من العمق . لقد وصل الوضع إلى حالة من السوء بحيث يصعب معها حلحلة الملفات الشائكة على خلفية لقاء هنا واجتماع هناك , واقتراح هنا وتوصيات هناك. لذلك ماذا يمكن أن تقدم الجامعة العربية من مقترحات سياسية بعد أن ظهرت خلافات في الحكومة العراقية تنبئ عن تصدع في التحالف القائم بين الائتلاف الشيعي والتحالف الكردستاني , وذلك بعد الانتقادات التي وجهها رئيس الجمهورية طالباني إلى رئيس الحكومة الجعفري ؟ ناهيك عن الملفات الأخرى التي انفتحت على الفساد الإداري, التي آخرها قضية صفقة الأسلحة التي عقدتها وزارة الدفاع في حكومة علاوي السابقة واتهام وزيرها حازم الشعلان بسرقة مليار دولار من خزينة الدولة , وكذلك تدهور البنية التحتية , وتنامي سيطرة الميليشيات الشيعية والكردية على مناطق الجنوب والشمال , والوضع الاقتصادي المتأزم بكثرة البطالة والفقر , إضافة كذلك إلى الانفلات الأمني في المناطق الذي ينشط فيها الإرهابيون الزرقاويون من خلال التفجيرات , وعمليات الخطف والقتل والتفجيرات ضد المدنيين والأطفال الأبرياء , وكذلك التدخلات الإقليمية التي كان لإيران الدور الأكبر فيها , وهو أمر لا يخفى على الجميع , الذي حذر منه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل خلال زيارته الأخيرة إلى أمريكا . كل ذلك وأمريكا مازالت تصر على ممارسة الأخطاء التي بدأت بها من قرار بول بريمر بحل الجيش العراقي , وذلك حينما راهنت على تكوين جيش عراقي قادر على حماية الوطن بديمقراطيته الناشئة في غضون سنوات بسيطة , مرورا بالعمليات العسكرية في الفلوجة والقائم والرمادي وسامراء وتلعفر . لم تخلف هذه الأخطاء سوى مزيد من التوتر , ومزيد من الاحتراب الطائفي الذي يرى كثير من المراقبين أنها سياسة تعتمدها الإدارة الأمريكية لتفتيت المنطقة كي يسهل السيطرة عليها , ولكن هل الأمر كذلك ؟ لا أجزم بذلك , فالأمر في ظني يتصل بالقناعة السياسية التي وصلت إلى العقيدة الإيديولوجية في نظر الإدارة الأمريكية التي ربطت انتشار الديمقراطية والحرية في الوطن العربي بالحرب على الإرهاب , وهو ربط يؤدي في نهاية المطاف إلى تعميم الفوضى , وفرز المتناقضات على الساحة السياسية. إن التجربة الديمقراطية الغربية لم تكن في الأساس وليدة صراع ضد حكومات ديكتاتورية , أو تيارات سياسية حزبية ذات عقائد أصولية متشددة , إنها وليدة تحولات ثقافية طالت الإنسان الغربي من العمق . هذا التحول تطلب تضحيات على مدى قرون عديدة , كان فيها الإنسان الغربي يتلمس طريقه إلى الحرية والديمقراطية بشيء من الصعوبة والتعثر تارة , والنهوض والانطلاق تارة أخرى , وكانت فيها الثقافة الغربية ترزح تحت وطأة المعتقدات الكنسية المغلقة على نفسها من الداخل , التي عادة يصاحبها العنف والقتل على أساس الرؤى الدينية المتشددة . لذلك هل يمكن لأمريكا أن تختصر المسافات ؟! وتلوي عنق المنطق التاريخي الذي يقول : إن شعوب العالم في مسيرتها التاريخية تحتاج إلى أزمات كبرى كي تتجاوز حالة الركود والدعة إلى حالة التثوير والإنتاج والإبداع على جميع الصعد والمستويات , هذا ما تخبرنا به فلسفة هيجل التاريخية بحق . وهناك في هذا الصدد مقولة لنيتشة تذكرني بوضعنا العربي الحالي " على المرء أن يظهر أسوأ ما عنده كي يحقق أفضل ما يملك من طاقات ومواهب " . هذا الوضع الحالي الذي يمر به العالم العربي والإسلامي مجرد عبور إلى عصر أكثر حداثة وانفتاحا على بقية شعوب العالم من خلال ركوب موجة العولمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ولكن هل تعي السياسة الأمريكية هذا الوضع الذي يمر به العرب ؟ بالتأكيد لا يمكن تجهيل الإدارة الأمريكية في هذا الجانب , فهي في ظنها تعرف الداء ولديها العلاج دون أن ننسى في هذا الإطار الأجندة الأمريكية الخاصة التي تحمي مصالحها الاستراتيجية بوصفها إمبراطورية عظمى . هذا الداء هو الاستبداد وغياب الديمقراطية , ووصفة العلاج هو فرض الديمقراطية بقوة السلاح والحروب الاستباقية . هذا التشخيص لم يأت من فراغ , لقد اعتمد على دراسات استشراقية تلك الخارجة من مراكز البحوث والمعاهد العلمية , أو تلك التي تأصلت على أيدي مستشرقين كبار , ولا يخفى على أحد الأثر الذي تركته آراء المستشرق برناد لويس في سياسة المحافظين الجدد , الذي وجدوا فيه ما يوافق طموحهم حول تغيير المنطقة برمتها من خلال المنطق السابق , لذلك تبنوا آراءه التي تخص التاريخ الإسلامي في مجمله دون فحص لهذه المقولات أو حتى عرضها على الواقع , لكن العقيدة الفاشستي والإيديولوجيا عندما تحكم العمل السياسي يكون ثمة عنف وقوة . يقول المستشرق الفرنسي أولفييه روا في لقائه الذي أجرته معه " المجلة " في عددها الأخير " لأنه - أي برناد لويس - في تحليله الظواهر الإسلامية المعاصرة وفهمها يستند إلى أبحاثه ومعارفه في التراث والتاريخ الإسلامي القديم , فقد انتهى الأمر به إلى الارتماء في أحضان المحافظين الجدد " . من هذا المنطلق هل بإمكان العرب أن يدركوا خطورة هذه المرحلة المفصلية في تحولهم السياسي والثقافي والاجتماعي بحيث يتعاملون مع الوضع كما ينبغي أن يتعاملوا معه أم أن الأحداث أكبر من حراكهم السياسي والثقافي ؟ إن المبادرة الأخيرة للجامعة العربية فيما يخص العراق أصبح ينظر إليها على أنها مصالحة وطنية مثلما حدث مع لبنان في الطائف , وهذا منظور خاطئ تماما , فشتان بين المرحلتين , فالظروف تختلف, هنا الأمور أكثر تعقيدا . إن ملف الإصلاح داخل الوطن العربي هي قناعة ما زالت تترسخ في ذهنية السياسة الدولية , وهي متشابكة ومتداخلة مع ملفات مازالت ساخنة على الساحة الدولية , الملف النووي الإيراني , ملف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي , ملف سوريا وتداعيات تحقيق مليس .. إلخ . ولكن هل وعت السياسة العربية جميع هذه الألغام وهي في طريقها إلى بغداد ؟!.mohmed_z@hotmail.com