محمد الحرز
صناديق الاقتراع وهي تحمل على ظهور الحمير لتجول بين القرى والمدن النائية في الانتخابات الأفغانية التي جرت مؤخرا , أجد فيها صورة كاريكاتورية تحمل في داخلها جملة من المفارقات التي لا تخضع لأي منطق سياسي يحكمها من الداخل . هذه الصورة لا تعبر فقط عن حرص المسؤولين في الحكومة الأفغانية على المشاركة الشعبية في الانتخابات , فهذا سلوك طبيعي لكل سياسة تسعى إلى دمقرطة البلد , وإنما تعبر أيضا عن نمط جديد من الأخلاقيات التي تفرزها السياسة الدولية الحالية.هذه الأخلاقيات هي مجموعة من القيم تختبئ خلف صور بصرية متحركة تبثها الأقمار الاصطناعية من خلال القنوات الفضائية , فأنت لا تستطيع على سبيل المثال كمشاهد أو متلق التمييز بين القيمة التي تنطوي على دلالة الخير وكذلك القيمة التي تنطوي على دلالة الشر , وذلك من خلال تدفق المشاهد الإخبارية التي تنقلها كاميرات مراسلي القنوات الفضائية من جميع أنحاء العالم . فالأمر ملتبس في كثير من الأحيان , ويصعب فك الارتباط بسبب التناقضات الصارخة التي لا يمكن أن تجمع وتركب إلا من خلال الصور الفضائية وحدها , فقضايا وظواهر مهمة مثل الإرهاب والعنف والفقر لا ترتسم أحداثها في أفق البث الفضائي بمعزل عن قضايا أخرى لها القدر نفسه من الاهتمام والحضور من قبيل : الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والأقليات والمرأة , وهنا مكمن الالتباس والتناقض , فنحن كمشاهدين نرى ما يجري في العالم من أحداث حيث إنه كلما اتسعت دائرة الأحداث العالمية في مجال بصرنا شعرنا بالعجز التام في فهم ما يجري لأن الاعتماد على مجرد المشاهدة السطحية دون فهم ما تخفيه صور الأحداث من معان وقيم ودلالات يدخلنا في سوء فهم للعالم وبالتالي سوء فهم في علاقتنا معه . ولو أخذنا المثال الذي صدرنا به المقالة , ماذا نجد؟ سوى المفارقة التي تعكس وضعية الشعب الأفغاني فهو مطالب من الجانب الأمريكي بتفعيل الحياة الديمقراطية في نظامه السياسي والاجتماعي والثقافي بينما هو على الجانب الآخر يعيش الفقر المدقع بأبشع صوره . وهل يمكن أن تستقيم الديمقراطية في أقل مفاعيلها مع ما يعانيه الشعب الأفغاني من أبسط مقومات الحياة اليومية ؟ الصور التي نشاهدها عبر الفضائيات تقول لنا خلاف ذلك . إنها خادعة تخفي الحقيقة بقدر ما تظهر جانبا منها , وكأن مجرد تطبيق الديمقراطية في هذا البلد سوف يزيل جميع مشاكله السياسية والاقتصادية والثقافية . إن الصور كثيرة تلك التي تدل على مثل هذه الحالات , إنها تكرس نزوعا في تشويه الحقائق , لذلك لم يلعب الإعلام المرئي في تاريخه مثلما لعبه الآن في تسييس القضايا الدولية لصالح الدول المتنفذة إعلاميا. يقول ريجيس دوبري في كتابه " حياة الصورة وموتها " حين يغدو كل شيء مرئيا فلا شيء يغدو ذا قيمة فتجاهل الاختلافات يتقوى مع اختزال الصالح في المرئي المظهر باعتباره مثالا يحمل في طياته جرثومة فتاكة تتمثل في التشابه . كل المثل المتميزة تحظى بعيانية اجتماعية قوية وما ينتج عن ذلك هو أن لغة الأغنى تصبح لغة كل الناس . وقانون الأقوى القاعدة المثلى . إن عصر الشاشة حين يغدو مسيطرا أينما كنا ستكون فضيلته الفساد ومنطلقه الامتثالية وأفقه عدمية مكتملة . لذا فإن غريزة البقاء لدى الجنس البشري مثلها مثل الرغبة البسيطة في تقصي اللذة لدى الفرد أو الأمم سوف تضطر إن عاجلا أو آجلا إلى الحد من الامتيازات التي تحظى بها الصورة . ولكي يتم إيقاف الاختناق واليأس سوف يتم إيلاء الأهمية للفضاءات الباطنية اللامرئية وذلك عبر الشعر والمخاطرة والقراءة والكتابة والافتراض أو الحلم " إن الإشكاليات التي يطرحها دوبري تكشف عن عمق الخلل الذي أصاب العلاقات الدولية جراء هيمنة الصورة على حياتها اليومية , أي هيمنة وجهة نظر واحدة في رؤيتنا العالم الذي يمثلها الطرف الأقوى . يقول دوبري في موضع آخر: "تعمل الصورة الإلكترونية تدريجيا على تدويل العين الأمريكية , وهذا من دون شك تصور ضيق وغريب للعالمية ". لذلك ليس غريبا أن نشاهد الصراع السياسي بين الدول يتحول إلى صراع رمزي من خلال الإمكانيات التقنية التي توفرها الصورة في التأثير على أذهان الناس وبالتالي على سلوكهم وتصرفاتهم , وليس هذا فحسب بل نرى هذا الصراع يتحول في فترة الأزمات إلى عنف رمزي يعكس بدرجة أو أخرى العنف الذي يتجسد على أرض الواقع . إنها تراتبية ذات حلقات متصلة يتحكم بها سياق واحد هو سياق الصورة . إن الصورة لا ترينا اللحظة التي يضغط فيها الانتحاري على حزامه الناسف ليفجر به نفسه في وسط مجموعة من الناس , إنها لحظة نادرة أو بعبارة أخرى لحظة سوريالية يصعب اصطيادها- إلا ما ندر - من طرف كاميرا محترفة . لكنها ترينا من جانب آخر آثار هذه اللحظة الوحشية المدمرة للحياة الإنسانية , ولكن غالبا ما تكون بعينين مسيستين , وهذه هي جوهر اللعبة السياسية التي تخضع الصورة لقواعدها وشروطها. لذلك يؤمن دوبري بأن هذه اللعبة ستنتهي حالما يواجه الإنسان هذه اللعبة بالأسلحة المتوافرة لديه, وأهمها الاحتماء بالنشاط الروحي بفنونه المختلفة , ولكن هل يمكن الرهان على مقولة دوبري ؟ خصوصا عندما يكون العالم على حافة الهاوية بسبب ما يطاله من حروب وصراعات. إن مقولة العنف ظاهرة بصرية في حياة الشعوب ما زالت سارية المفعول, فهل معنى ذلك أن العالم في الحضارة الحالية تحول إلى مجرد إيقونة ؟! كل المؤشرات في حياتنا اليومية تؤكد هذه المقولة. لم يعد العنف يرتبط بآليات السلطة فقط , أصبح نوعا من الترف الجمالي, وليس على المرء أن يفكر كثيرا كلما أراد أن يستجلي هذا النوع من الإدراك , ما عليه سوى أن يسمر نفسه أمام شاشة التلفاز , أو يذهب إلى صالات العرض السينمائي , أو يدخل في حوارات عالمية من خلال الأنترنت أو الحوارات المباشرة في الندوات أو الأمسيات . لقد هيأت الحضارة جميع الوسائل للإنسان كي يعيد انتاج العنف جماليا وأدبيا , وأعطته كذلك المخيلة التقنية التي تساعده على الابتكار والإبداع. إن مشاهد العنف اليومية مرعبة, لكنها لا تشكل قلقا واضطرابا لحواسنا, ليس بسبب اللامبالاة, أو الشعور بعبثية الحياة الإنسانية , إنما بسبب مجرى العادة الذي ألفناه جميعا في حياتنا اليومية. mohmed_z@hotmail.com