مطلق العنزي

مطلق العنزي

لم يكن محمد عبدالرحمن شخصية هامشية في أي موقف، كان دائماً في عمق كل موقف.كان "أبو فهد" يتفوق علينا بميزات كثيرة، ونادرة لا يستطيعها سوى القليلين من الناس، ومن مناقبه الكريمة أنه لا يستطيع أن يحقد على أي آخر. بمعنى انه لا يصالح الكره من أي نوع، وضد أي إنسان.. حتى الذين ابتلوه بإساءات جارحة ومؤلمة، لم يستطع أن يكرههم كما نفعل مع من نناصبهم النأي. لم نكن نستطيع مجاراته في المبادرات الكريمة، حينما يمرض أي زميل نجد أبا فهد قد وصله قبلنا. حينما تلم مشكلة بعزيز يبادر دائماً في محاولة لحلها، كان من أخلص الناس لزملائه وللشباب السعوديين الذين يبدأون خطواتهم الأولى في الصحافة، فنجده يحرص بشكل لافت على أن يمدهم بعصارة خبرته ويبذل كل جهده كي يساعدهم على التقدم وأن يستفيدوا. ويكفيه فخراً أن كثيراً من الصحفيين في المنطقة ألشرقية أما تتلمذوا على يديه أو استفادوا من خبرته وأفكاره واقتراحاته. وبعضهم وصل إلى مراكز مرموقة في الصحافة السعودية. ولا غرابة، فقد كان سعودياً أكثر من كثير من السعوديين. حتى أنه سمى ابنه "فهد" تيمناً بزيارة خادم الحرمين الشريفين، الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، الشرقية. كان أبو فهد يتمتع بروح خلاقة وشبابية دائماً، لهذا كان قريباً من كل الأجيال, وهو نظيف اليد واللسان. لم يحاول أن يستغل علاقاته الواسعة لمصلحته الشخصية. وبذلك احتفظ بكرامته وكبريائه وسمعة عطرة فواحة تجعلنا شديدي الفخر أن نتتلمذ على يديه وأن نزامله وأن نعيش معه شطراً كبيراً من رحلته المهنية الكثيفة العطاء المشحونة بكثير من التعب والآلام.كان محمد ابن الدمام، المدينة الوحيدة التي عشقها، إذ قد كبر معها عمراً.. وأصبحت نبضة في القلب، وشعوراً في وجدانه. ويتنفس هواء الدمام ملء رئتيه، حتى نما جسمه بثرى الدمام ورطوبتها.وحينما عاد إلى الدمام، كان يبدو وكأنه قد عاد لكي يدفن في التراب الذي يعرفه ويحبه.كان يفضل الدمام على الخبر، رغم أن الخبر هي مدينة النخبة والأرستقراطيا، الطازجة، المدللة دائماً، إلا أن الدمام هي قلب الإنسان، ونبض المواطن العام. ويكفي أنها مدينة دون "أحزمة" ملونة أو لامعة.@ بفقد أبي فهد، يفقد الرعيل الأول في "اليوم" الصحيفة، والركض المخلص،"جوهرتين" كانتا ملء السمع والبصر، هما الحبيب الراحل صالح العزاز، الذي نثر كثيراً من وهجه وشجونه ومشاعره مخلوطاً بأحبار مطابع "اليوم". والحبيب الراحل محمد عبدالرحمن صالح. أي "الصالحَين".كان الصالحان "لؤلؤتي التاج" في"اليوم".. وقليلون الذين يعترفون بأن "الصالحَين" قد منحا "اليوم" جرعة، طويلة المفعول، مضادة للطفيليات وللأمراض المهنية التي، مع الأسف، اعترت الصحافة السعودية لاحقاً. ويكفي أن الصالحَين، تركا أنفاسهما الزكية تعطر شوارع الدمام وطرقاتها وميادينها. وعندما أتذكرهما، أشعر بأنهما في كل مكان، وأصواتهما، تملأ أثير الفضاء. رحم الله "الصالحَين"، وجعلهما برفقة الصالحين البربرة الذين بذلوا بعطاء الكرام، وأخلصوا كما يليق بأوفياء.@ للزملاء قصي البدران، وخالد الجراح، وعبدالسلام الخالدي، ومسفر العصيمي، كل التقدير، فقد بادروا واهتموا بقضية الزميل الراحل، وغطوا قصورنا، جزاهم الله خيراً.وتريا صاحبي الركض..سلام اليد التي ارتفعت، هلعاً،سلام الأقدام المكلومة الخطى.وسلام العين، إذ يتحجر الدمع والضوء.سلام ألسن تلهج لكما بدعاء.سلام موج قد سكن، وجوماً، لحظة أن يعبر المسافر بين الأفق وعمق الثرى.سلام من حزم "المريكبات".. من "العدامة" و"البادية" و"الطبيشي".سلام مراكب البحر، والتلويحة الأخيرة للشاطيء.. وغروب الشمس الوضاءة الجذلى، إذ تسدل أظلتها الذهبية.. كما شجن يتجدد، كما أثير يتكلم.malanzi@alyaum.com