حسن السبع

حسن السبع

أوصى الفرد نوبل بأن يخصص ربع ثروته لتمويل جوائز تخدم قضايا السلام. كان ذلك بعد اختراعه للديناميت الذي سبب الكثير من الدمار. وفضَّل ألبرت آينشتاين أحد أبرز رواد العصر النووي لو أنه كان سباكا! ولم يكن آينشتاين يحسد السبَّاكين على ما يجنونه من دخءلٍ جيد. وبخلاف نوبل الذي كان أحد أغنى أغنياء العالم، لم يكن آينشتاين حريصا على المال. وقد تجاهل كثيرا من الإغراءات المالية.وإذن، فقد كانت تلك الأمنية وليدة قلق ما، بعد أن وضع أول لبنة في تطوير الطاقة النووية، وشهد ويلات حربين عالميتين مدمرتين. فهل كان على غوتنبرج (الذي اخترع الطباعة بالأحرف المنفصلة، فمهد الطريق لطابعة الليزر والطباعة الإلكترونية) أن يرصد جائزة للحروف المضيئة النظيفة، بعد أن أصبح اختراعه وسيلة لطباعة أفكار بالية معتمة وأكثر فتكا من الأسلحة؟ ربما، فالقلم أمضى من السيف أحيانا. كانت مخترعات واكتشافات هؤلاء مفيدة للحضارة الإنسانية، لكن هنالك دائما من يجرد الأشياء من محتواها الإنساني. كل شيء قابل للاستخدام استخداما سيئا حتى الأشياء المفيدة كالعلم والمال والجمال والقوة. لا قيمة للعلم بدون الحكمة، ولا للمعرفة مجردة من الأخلاق، ولا للمال إذا سخر لأهداف ضد الإنسانية، ولا للقوة إذا استخدمت للتسلط والقتل. وأسطوريا خدمت المعرفة التي اكتسبها (فاوست) أهدافا شيطانية. كانت معرفة أشبه بتماثيل الذهب والفضة لها عيون لكنها لا ترى، ولها آذان لكنها لا تسمع. أو هي كالشجرة الزاهية التي لا تثمر.ولعل هذا هو ما يدعو الكاتب الأرجنتيني أرنستو ساباتو "في سياق حديث مع كارلوس كاتانيا" إلى الاعتقاد بأن همجيتين تطاردان إنسان عصرنا هما: "التقنية والأيدلوجية المستبدة، وأن تخطيهما يتطلب تربية أطفال.. وإلا فإن البشرية سوف تدمر دمارا مريعا". أما سانت اكزوبري فيقول في سياق اعتراضه على المؤسسات التربوية تحت مظلة الأيديولوجيا المستبدة: "لا أمقت الذين يفضلون الخُوار، إنهم لا يعرفون نشيدا آخر. أمقت القيَّم على الخُوار. لا أحب أن يفسدوا البشر."! وإذا كان تيار التدهور جارفا وأعتى من أن توقفه الخطب والنصائح والمواعظ الموجهة للكبار، لأنها أشبه بترميم بناء قائم على أساس هشّ، فإن إعادة النظر في أساليب التربية التي تشكل عقول الصغار هي أفضل وصفة لعلاج ذلك التدهور، ولبناء مجتمع جديد على أسس متينة. كل نظام تربوي بحاجة إلى فلسفة تحقق النمو المتوازن للشخصية الإنسانية. وهذا النمو المتوازن كفيل بجعل الإنسان قادرا على فهم الآخرين، فالفهم أولى الخطوات على طريق التعايش، والدخول إلى صميم عواطف الأجناس المختلفة في اللون والعرق والثقافة.. التربية أولا والتعليم ثانيا. فالتربية هي التي تشكل سلوك ومواقف الفرد. "والتربية هي ما يبقى بعد أن ننسى ما تعلمناه". كما يعبر أحد المفكرين. كل طفل عبارة عن لبنة مرنة قابلة للتشكل، ولكل طفل استعداد كامن لعمل ما، وسيكون هذا العمل مبدعا لو وجه ذلك الاستعداد وجهته الصحيحة. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ونحن نقلب صفحات أي منهج دراسي هو: ما هو المجتمع الإنساني الذي نريد تحقيقه؟ وهل يستطيع هذا النظام التربوي أن يصنع من الطالب إنسانا أم ترسا في آلة؟ وكيف يشكل هذا المنهج إنسانا سويا منتجا يمتلك رأيا مستقلا، ويعنى بجوهر الأشياء، ويكرس طاقاته لخدمة قيم الجمال. تساعد التربية التي ترسخ تلك القيم الجميلة في ضمائر النشء على خلق مناخ ملائم للتعايش المبدع، وتعلمهم أننا هنا لنشر الحب، ولتعمير الكون لا تدميره. التربية أولا. لكن التربية أبعد ما تكون عن التلقين وعن حشو الأدمغة بالحروف والأرقام الجامدة والمعلومات الصماء التي تحول الطالب إلى آلة مبرمجة مفرغة من المشاعر. إن النشيد المدرسي الذي يمجد الوحدة جميل، لكن الأجمل أن يُذيَّل بهامش لا يهتم بشرح معاني الكلمات وحسب، بل بهامش يتحدث عن معنى تلك الوحدة وغاياتها، ويتحدث عن وحدة التطلعات والأهداف والمصير قبل وحدة الجغرافيا، حتى لا تتحول الوحدة إلى معنى مجرد، والنشيد إلى صراخ لا معنى له. التاريخ كذلك، ينبغي أن لا يكون مجرد حوادث وأرقام وأسماء وهالات وأمجاد وفترينات زاهية. كما أنه ليس فوق النقد والمساءلة. وفي هذا يقول الأستاذ إبراهيم البليهي: "ما من أمة في هذا العصر ازدهرت إلا وكان سبيلها إلى ذلك الازدهار مراجعة تاريخها والاعتراف بما فيه من نقائص وأخطاء، والعمل على بناء الحاضر بجهد الأحياء". قبل أن نلقن الصغير فنون الخطابة ينبغي أن نعلمه، أولا، فن الإصغاء، فنحن نتكلم أكثر مما نصغي، ونجيب أكثر مما نسأل. وما أحوج هذا الجيل إلى ثقافة الأسئلة، وإلى إيقاد شموع الدهشة في العيون. وقبل أن ندرب الطالب على المهارات الإنشائية، ينبغي أن يتعلم مهارات التلقي من خلال نظام معرفي يهذب الذائقة ويرتقي بها بدلا من أن يروضها لتذعن لكل ما هو مألوف، وتنكر كل ما هو مختلف عما تم تلقينه على مقاعد الدراسة. بهذا يصبح الصغير مؤلفا آخر للنص أو ناقدا له، وليس جهاز تسجيل يردد بشكل آلي ما يسمع. قبل أن نلقن الصغير أصول النظافة، ما أحوجنا إلى العناية بنظافة تفكيره. وقبل أن نكسبه مهارات رياضية تنمي الجسم، لا بد من تنمية مداركه، فكمال العقول أولى من كمال الأجسام. ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن هنالك أجساما غاية في القوة والوسامة لا تمتلك منطقا سليما. وقبل معرفة مهارات اللعب وزهو الانتصار، عليه أن يتعوَّد على النزاهة في اللعب، واحترام أصول اللعبة في كل التعاملات اليومية. أعود إلى ساباتو ثانية لأقتبس عبارته القائلة: "في المدرسة إما أن تتشكل فردية الطالب أو تتشوه إلى الأبد". والشهادة تأسيسا على ذلك وثيقة قد تساعدنا على كسب العيش، لكنها لا تعلمنا كيف نعيش. في نظام تربوي سليم قد نصنع الإداري الشاعر، والمهندس الشاعر، والطبيب الشاعر والمؤرخ الشاعر. ولست أعني بالشاعر ذلك الذي يكتب الشعر، بل ذلك الذي يمتلك روحا شاعرة تعشق الجمال وتسعى إلى بناء عالم جميل.hsn_saba@hotmail.com