د. محمد حامد الغامدي
يظل الحديث مستمرا عن حي السوق بالدمام.. الذي يشار إليه بمركز المدينة.. وكبقية مدن العالم.. توسعت الدمام في جميع الاتجاهات.. ومع تمدد المدن، تصبح مراكزها صورا تراثية وجمالية حديثة.. تحمل عبق الماضي وذكرياته وحنينه.. ومشاهد لتاريخه.. تغري بالعيش فيه.. والسفر إليه.. والسياحة في أرجائه. الدمام كمدينة وعاصمة للمنطقة الشرقية، عاشت وتعيش طفرات من التوسع والانتشار.. وقد كانت في سوقها التاريخي.. الذي بفعل تقادمه تحول إلى مركز يفترض أن يكون شاهدا على تاريخها وتراثها.. ومع التوسع، هل تحققت تلك الصور التراثية والجمالية في حي مركز الدمام ؟ ونتساءل للبحث عن الحقيقة: هل أصبح حي السوق مصدر قلق وإزعاج لساكنيه ومرتاديه؟.. هل أصبح خارجا عن مجال الأحياء الراقية؟ .. هل يغري بالعيش فيه أو حتى لارتياده للتنزه أو التسوق أو السياحة؟.. هل تشوه الموقع وتحول إلى علب إسمنتية متزاحمة ومتراصة عموديا وأفقيا؟.. هل تحول إلى زحمة تعج بالفوضى والضيق والتجاوزات؟.. هل ذابت صوره الجميلة في قبح واقعه المؤلم؟ الكثير من أهله غادروه نحو التوسعات الجديدة.. في أحياء أكثر رحابة وراحة.. بقي البعض وفاء للمكان، إلى أن وجد نفسه محاصرا في بيت يتهدم لقدم أصابه.. بقي البعض لقلة دخل أو حاجة.. تقادم الزمان على البيوت.. تحولت أجزاء إلى خرابة.. تحولت أخرى إلى قوالب إسمنتية في شكل أعمدة، بعد أن كان بيوتا صغيرة وجميلة.. واجهات خراسانية متنافرة.. بعضها قبيح ومشوه كشاهد على سوء التصرف و(الطنبشه)..هل كل ذلك، كان بمباركة البلدية وتحت إشراف موظفيها ومسئوليها؟ هل يجوز بناء 7 ادوار في موقع لبيت قديم لا تزيد مساحة أرضه على 500متر مربع؟ نعم حصل في حي السوق، وبدون مواقف للسيارات أيضا.. لماذا السماح ببناء عمائر متعددة الأدوار في مواقع بيوت لا تزيد مساحة الأرض على 250 مترا مربعا؟.. هل يعقل تحويل حيّ السوق بكامله إلى منطقة تجارية.. ويتم فتح المحلات في جميع شوارعه ومنافذه و(دواعيسه).. وعلى مخطط وضع قبل أكثر من نصف قرن؟ نعم حصل في حي السوق.. هل تجاهلت البلدية مواقف سيارات خاصة بهذه المباني المتعددة الأدوار في حي السوق؟ نعم حصل التجاهل والتجاوز والتغاضي رغم وضوح النظام؟ هل يجوز استمرار المخططات السابقة لهذا الحي، دون إجراء أي تعديل في مساحات الأراضي والشوارع؟.. نعم.. تم تجاهل تعديل المخططات السابقة.. ولكن بقي تحديث البناء يتواصل بتجاوزات (تفك صواميل الرأس).. البيت أصبح عمارة.. الدور الواحد أصبح أدوارا.. وعلى شوارع ضيقة وعلى منافذ صغيرة كانت مصممة لدخول (حمار) بحمله فقط... هكذا ابتدعت البلدية بدعة تغيير الحي نحو التخلف والزحمة البشرية و(الطفش). هل أصبح الحي اقل راحة واقل أمنا لسكانه؟.. هل أصبح مكتظا بكل ألوان الطيف البشري من كل بقاع الدنيا؟.. هل أصبح شاهدا على خواء المخططين والمسئولين المعنيين في البلدية؟.. هل تحول إلى حصون وقلاع للمتخلفين، وللمارقين، وترويج المخدرات، ولكل ذي مشكلة؟.. هل أصبح مرتعا للتخلف ومكانا للفقر الذي يجسد المعاناة وقلة حيلة البعض في الابتعاد والتغيير؟.. هكذا تبدو صور الحياة في حي السوق العريق.التجاوزات كثيرة وهي كتلة من الهم اليومي يحملها المواطن على ظهره.. تحمّل.. وما زال يتحمّل نتائج أغلاط البلدية وتجاوزاتها ومخالفاتها واجتهاداتها.. المواطن هو الضحية.. في معاناة تتشعب وتتعدد.. كمثال: يتم السماح ببناء عمائر متعددة الأدوار بدون مواقف سيارات.. وكنتيجة يصبح الشارع هو الموقف الوحيد.. زيادة عدد السيارات ينمو ويزداد بتعدد السماح بهدم البيوت الصغيرة وبناء عمائر جديدة.. كنتيجة يزداد عدد السيارات في شوارع الحي.. وعلى المواطن أن يدبر حاله. كنتيجة أصبحت شوارع الحي مكتظة بكل أنواع السيارات.. ثم جاء مشروع تجميل مركز المدينة.. ليحرك (الطاسه) لإنتاج فوضى عارمة وكبرى على كل ساكني حي السوق وتجاره ومرتاديه ومحلاته وعلى الحي نفسه.. صاح الناس.. اشتكى الناس.. تبرم الناس.. صمت الناس.. والبلدية متمسكة برفع شعار: دبر حالك.مع المشروع.. أصبحت مواقف السيارات بشكل طولي في كل أنحاء مركز المدينة.. وهذا يعني أن نصف سيارات الحي أصبحت بدون مواقف.. هكذا الناس في زحمة المكان.. يبحثون عن مخرج.. أصبحت الشوارع الداخلية (المظلمة) الضيقة أكثر ازدحاما.. والسيارات تقف على اليمين وعلى الشمال مسببة عائقا حتى لسيارات الإسعاف والشرطة.. شوارع (شوربة) بنكهة الفوضى والقبح. هل أصبح حي السوق نموذجا للتخبط، والتجاوزات، والتخلف، والاجتهادات لقصر وضبابية نظر البعض؟.. حيّ السوق يبحث عن مخرج.. وقد أصبح مرتعا لتدني الحياة.. وفيه انحشر المحتاج والفقير.. المشاريع التي لا تحقق الراحة تصبح أداة للإهدار والاستنزاف.. وتتعاظم المصيبة إذا كانت المشاريع نفسها مصدر الإزعاج والفوضى.mgh7m@yahoo.com