حسن السبع
تمثلات الآخر في الثقافة المعاصرة: كان هذا عنوان محاضرة ألقاها الدكتور سعد البازعي في (ديوانية المنتدى الثقافي) بالقطيف قبل اسبوع. وقد انصب اهتمام المحاضر على تقفي أثر الأدبيات المتعلقة بمصطلح (الآخر والآخرية)، فكانت المحاضرة عبارة عن بحث يرصد ولا يعلق، ويقترح ولا يجزم، ويثير أسئلة ولا يتبنى إجابات جاهزة. بحث يحاول الإحاطة ما أمكن بالتعريفات والمفاهيم المتعلقة بـ (الآخرية) otherness أي الكيفية والظروف والحيثيات التي تجعل فردا أو جماعة مختلفين قياسا بمعايير غيرهم.ويأتي مقالي هذا امتدادا لتعليق شفوي مقتضب على المحاضرة، لم يتسن لي ساعتها تكملته نظرا لضيق الوقت. وبعد: فعلى الرغم من ذلك التلون الدلالي لمصطلح (الآخر)، مما يجعله مصطلحا ملتبسا متغيرا، فإنه ما إن يذكر ذلك المصطلح حتى يتجه مواطن الشرق الأوسط بنظره إلى الغرب، ويتجه الغربي إلى الشرق. وفي ذلك تجاهل لجهات العالم الأخرى ولبقية التفاصيل التي تجعل من ذلك المصطلح متغيرا تبعا للزاوية التي ينظر منها الرائي، والموقع الذي يشغله حضاريا، والثقافة التي ينتمي إليها، وكذلك الظروف الموضوعية المحيطة. اقرأ، على سبيل المثال، قول الشاعر الأحيمر السعدي:"عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى.. وصوَّت إنسان فكدت أطير"! وتأمل كيف ضاقت مسافة (الآخرية) بين الشاعر والذئب، فلم يعد الذئب (آخر) من الفصيلة الأخرى، بينما تحولت القبيلة أو المجتمع بأسره إلى (آخر) خارج دائرة التعايش.إن الذات هي الأساس أو المركز في علاقتنا بالآخر. فالآخر موجود، كما يرى بعض الفلاسفة، لكنه ليس المطلق أو بذاته، وإنما من خلال اتصالي به، وهو اتصال سلبي أو نفي متبادل. أي أنه شكل من أشكال المبارزة. حتى الحب يبدو، من وجهة النظر هذه، محاولة للسيطرة، وذلك من خلال تملك الآخر أو إذابته في الذات وإفقاده حريته، حيث حرية الآخر كلمة لا تسر، ومجرد وجوده حد لحريتي (س.ي. جود، مدخل إلى الفلسفة المعاصرة). أما الكاتب الأرجنتيني بورخس فيذهب إلى أبعد من ذلك، ليصور لنا الذات في بعض حالاتها (آخر) أو موضوعا. فيروي في قصة بعنوان (الآخر) واقعة شبيهة بالحلم حدثت له شمال بوسطن، وكان عندئذ يستريح على مقعد أمام نهر شارل. بغتة استقر لديه انطباع بأنه قد عاش هذه اللحظة فيما قبل، وعلى الطرف الآخر من المقعد جلس شخص ما، ومع أنه فضل البقاء بمفرده إلا أنه لم ينصرف حتى لا يبدو عديم اللباقة. وفي حوار يدور بينهما يكتشف أن محدثه هو بورخس نفسه قبل خمسين سنة. هكذا يلتقي رجل السبعين بابن العشرين عاما، ليكتشف أنه لا يستطيع التفاهم مع هذا الشاب، فهما مختلفان غاية الاختلاف، وليخلص إلى الاعتقاد بأن إنسان الأمس ليس إنسان اليوم. ولو هيئ لأي منا أن يلتقي بذاته على تلك الصورة، أي بذلك (الآخر) الذي (كان) قبل سنين لوجد صعوبة في التفاهم معه. وما يهمني من هذه القصة هو أن (الآخرية) مصطلح متشعب متغير فضفاض، ويمكن للباحث في هذا المجال أن يقول على طريقة الأصمعي: سأموت وفي نفسي شيء من هذا المصطلح! أما أمين معلوف فيطرح تلك الإشكالية في تحديد معنى (الآخر) على النحو التالي: فهو، على سبيل المثال، لبناني ينتمي إلى أسرة تنحدر من جنوب الجزيرة، وهو مسيحي من أم كاثوليكية وأب بروتستانتي، وجدة تركية. العربية لغته الأم، لكنه يعيش منذ اثنين وعشرين عاما على أرض فرنسا، كما أنه يكتب رواياته باللغة الفرنسية. يطرح معلوف هذه التوليفة العرقية اللغوية الدينية ويتساءل: " كم من بني جنسي يشاركونني هذه العناصر المتباينة التي قولبت هويتي؟" ويجيب قائلا: لا أحد.. حتى لو كان ذلك (الأحد) ابنه أو والده. فهو شخص (آخر) بالنسبة لكل البشر. الحديث عن الآخر يأخذنا إلى كيفية استقبال الآخر، لنجد أن استقبال الآخر عند المثقف غيره عند الشخص العادي. ويختلف استقباله عند المؤدلج المعبأ بالمسلَّمات والأجوبة الجاهزة عنه عند حر التفكير واسع الأفق. المسافة بين الذات والآخر تضيق أو تتسع تبعا لكثير من الاعتبارات. فالمسافة بين أدونيس والشاعر (رينيه شار) مثلا ليست كالمسافة بين أدونيس و (جان ماري لوبان) زعيم اليمين المتطرف الفرنسي. ومن ثم فإن اختلاف المرجعيات الثقافية لا اختلاف اللون والعرق والجنس والجغرافيا هو ما يحدد معنى الآخرية، وهــــو ما يـتحكم في اتساع أو ضيـــق تلك المسافة التي تفصــل بين الأنا والآخر. ولعل ذلك ما دفع الشاعر سيوران إلى القول: "ليس في بلدٍ سُكنى المرء وإنما في لسان,. الوطن هو هذا وحده وليس غيره!" والمقصود باللسان هنا هو اللغة. ويبدو لي أن الأمر لا يتعلق باللغة بوصفها إشارات للتفاهم، فاختلاف اللغات أو الألسن لا يباعد بين البشر أو يدفعهم للصدام. اللغة وعاء للفكر، واختلاف طرق التفكير هو ما يباعد بين البشر. عند هذه المحطة يصبح الآخر "جحيما" وترتفع عبارة تقول: "أنا أو الآخر" بدلا من العبارة القائلة: "أنا والآخر نساهم في بناء هذا العالم". وإذا كان غوبلز وزير دعاية أدولف هتلر يتحسس مسدسه كلما ذكرت كلمة ثقافة، فهنالك من يفعل ذلك كلما ذكرت كلمة (الآخر) أو (الثقافة الأخرى). كل شيء يأتي من الآخر مثير للشك والريبة. فالعالم في نظر بعضهم لونان هما الأبيض والأسود، ولا شيء غير ذلك. لذلك فإن اللغة المشتركة هي تلك التي توحد أحلامنا وتطلعاتنا، وتجعلنا ننظر في اتجاه واحد، وكذلك يفعل الوعي المشترك. لعل المحاضرة قد أجهضت توقعات بعض الحضور ممن أراد منها أن تتجاوز تقصي المصطلح لتتناول بدلا من ذلك العلاقة (النزالية) بين الذات والآخر، أو بين الثقافة والأخرى، باعتبارها أم القضايا في عالم حافل بصراع الإرادات والهويات والمصالح. لكننا، وفي ظل تلك العلاقة المشوشة مع المصطلحات، أحوج ما نكون إلى مثل تلك الدراسات التي تساعدنا في فهم الأشياء على حقيقتها. فقد لعب الميل إلى الهرولة دورا سلبيا في حياتنا الثقافية.hsn_saba@hotmail.com