د. محمد حامد الغامدي

د. محمد حامد الغامدي

عشت مرحلة من العمر في مدينة بقيق المهمة حتى عالميا.. تخرجت في مدرستها الابتدائية.. ومتوسطتها النموذجية قبل أن تتعدد مدارسها.. غادرت لعدم وجود مدرسة ثانوية في أيام الصبا تلك.. حططت الرحال في مدينة الدمام.. وفي السوق كان العيش والسكن الجديد.أصبح أبي تاجرا، في نفس الفترة، بعد أن ترك العمل في ارامكو.. انتقل إلى الدمام يمارس التجارة.. اختار سكنه في السوق لقربه من متجره.. كنتيجة، أصبح لي بعض الذكريات في هذا الحي.. كنت زبونا في سوق الحراج الذي كان في قلب السوق.. اشتري من الكتب المعروضة للبيع.. كان سوقا مهما للجميع.. إلى أن تم ترحيله إلى أطراف المدينة مع الحيوانات الضالة.. لأنه عند البعض.. مع غيره من الموروث الشعبي يشكل مظهرا غير حضاري.@ في مهام عائلية، كنت أتردد على أسواق الخضرة واللحم والسمك، قبل أن تختفي هي الأخرى.. وكانت لي وقفات في سوق (عيال) ناصر الأكثر شهرة في حينه.. ومعه كان سوق المشالح والعبي.. وسوق الذهب.. وسوق التجار.. وسوق الحب.. وسوق الحمام.. ومع هذه الأسواق، كان للحمار شأن في السوق.. فهو القوة الدافعة لعربة الأحمال نحو البيوت.. وفي ليالي رمضان كنا نطوف في شوارع و(دواعيس) السوق خلف أبو (طبيلة) وهو في عربة يجرها الحمار تسمى (القاري).@ كانت السيارات قليلة، والدرجات كثيرة.. والناس يمشون ويطوفون في السوق.. كان وسط الدمام مقصدا للجميع.. بادية وحاضرة.. وفي ساحة مسجده الكبير شهدنا الكثير من تنفيذ أحكام الله الشرعية.. هكذا كان حي السوق.. مليئا بكل أجناس الطيف البشري من جميع مناطق المملكة يجمعهم الوطن الواحد.. والشيمة والنخوة.. والشهامة والجيرة الطيبة.. ومصالح الحياة المشروعة.@ يتكون السوق من مجمعات صغيرة تربطها شوارع معروفة.. مخططة بشكل طولي وعرضي خالية من التعرجات.. وما زال حتى اليوم بنفس الشوارع التي نفذت قبل أكثر من نصف قرن.. لم تكن هناك عمائر متعددة الأدوار.. ولكن بيوت صغيرة حديثة تتكون من دور واحد أو اثنين.. في مساحات من 250 إلى 500 متر مربع.@ هكذا تم تخطيط السوق والأحياء من حوله.. والتي أصبحت الآن تعرف بحي السوق.. بالمسجد الذي جدد بناءه المغفور له بإذن الله الملك فهد بن عبد العزيز.. وكان السوق والأحياء تلتف حول هذا المسجد الذي كان وما زال شاهدا على الحياة في سوق الدمام. @ اليوم أتجول في أرجاء السوق.. كسائح وشاهد وزائر.. وأيضا كأحد سكان الحي.. أجيال مرت من هنا.. أجيال كانت هنا في محلات صغيرة.. تغيرت الصور بواجهات أكثر بريقا وببضاعة مختلفة.. أصبح للناس في هذا الحي سحنات كثيرة.. وقامات تكتسي ملابس ملونة.. ولغات متعددة.. وحتى الأقدام لها وقع مختلف.. غيب الموت رجالا عرفتهم بهامات كلها نخوة وشهامة وإخلاص وصبر ومودة ورحمة.. بقيت بضاعتهم إلى أن اختفت هي الأخرى معهم.@ تغير السوق.. تغير الزمان والحال.. لكن بقي الشارع والبيت شاهدين على التغيير.. هجرات حملت أهله بعيدا إلى أحياء أكثر اتساعا ونظافة وكبرياء وشموخا.. وبحضارة جديدة، وجار جديد، وشارع جديد، وإمكانيات جديدة.. وكنت منهم، سافرت في رحلة دراسية طويلة حول العالم.. ثم رحلة عمل إلى الإحساء مستمرة حتى اليوم.. @ لكني لم انقطع عن حي السوق.. بيت والدي مازال يشكل (عشا) يضمنا في أيام العطل الأسبوعية.. في ظل وكنف عطف الوالد والوالدة وتمسكهم بالمكان.. الذي أصبح قطعة من حياتهم يصعب التفريط فيه.. كنت شاهدا على التغيير وشاهدا على التعمير.. وشاهدا على التغيرات التي عاشها السوق وحتى اليوم.@ في هذا الحي توقفت ملاحظاتي لكثرتها.. ولمعاناة أتجرعها مع الكثير من أهله.. الذين مازالوا متمسكين بالحياة في هذا الحي.. وأيضا نتيجة لما يتعرض له حي السوق من (تشويه)، ومن (تجاوزات) جعلت منه بؤرة مكتنزة بالعمائر التي خنقته.. وجعلته كهوفا راسية، ومسارب أفقية يصعب التحرك فيها حتى للهواء الذي يكتنفه.@ في هذا الحي تتجلى الحياة بالتساؤلات المتعددة.. أولها: هل هناك بلدية تشرف على هذا الحي؟.. هل للحي جهات مسئولة عن تسهيل حياة الناس فيه؟ أصبح الناس فيه ضحية عامل الزمان.. ضحية تقادم المكان وزحمته.. وضحية جور (التعدي) على مخططات الحي الأصلية بالاجتهاد والتحريف.. أيضا اسأل: هل هذه الممارسات في هذا الحي ناتجة عن جهل أم تجاهل؟ أم أنها ممارسات غير واعية لأهمية هذا الحي لمدينة الدمام؟.. أليس هو المركز التاريخي للدمام الذي يجب أن يظل يغري بالتمسك باستمرار الحياة فيه؟ هل أصبحت الحياة في حي السوق مظهرا من مظاهر التخلف؟ لماذا العبث؟ السوق موروث حياة.. لمدينة مهمة.mgh7m@yahoo.com