حسن السبع

حسن السبع

سأتابع لعبة الأمثال التي بدأتها في مقال الأسبوع الماضي للوقوف مجددا على طبيعة التفكير الكوراني ـ ولمن لم يقرأ المقال السابق فإن التفكير الكوراني منسوب إلى أنور كوران إحدى شخصيات مسرحية (كأسك يا وطن). وقد أشرت في المقال السابق، وتحت عنوان (طول عمرك يا زبيبة) إلى أن الأمثال خلاصة تجربة إنسانية، ورحيق ذاكرة جمعية متوارثة، كونها تعبر عن محيطها الاجتماعي والثقافي، كما تجسّد مستويات التفكير الجمعي، فهي، إذن، وثائق اجتماعية وثقافية لخبرات وتجارب وعادات وقيم الناس. وقد سمعت مَثَلَ (زبيبة) هذا لأول مرة في مسرحية (كأسك يا وطن) على لسان مواطنة مغلوب على أمرها تستفسر من المسؤول في مصلحة الكهرباء السيد (أنور كوران) عن أسباب انقطاع الكهرباء المتكرر ليجيبها قائلا: "إن التيار المعادي لأمتنا لن يمنعنا من الوقوف بحزم إلى جانب حركات التحرر في العالم أجمع" وقلت: لو ترك صاحبنا "حركات التحرر في العالم أجمع" وشأنها، وانشغل بقضايا مدينته أو قريته لوفر وقتا وجهدا للحد من انقطاع تيار الكهرباء المتكرر. لو فعل ذلك ضمن هذا الحيّز الجغرافي الضيق لساهم في بناء العالم بأسره. لكن أمنيتي تلك متعذرة لأن كوران بيك منبتٌّ عن مجتمعه الصغير ومغرم باختراع الأعداء، ومحاربة طواحين الهواء في معارك غير متكافئة شعارها: "لو شَالَوني من تَحءتُه كُنءتء قَتَلءتُه"! كما يعبر المثل اللبناني. وقد أعاق هذا الخطاب المؤدلج، بكافة أطيافه الفكرية، مسيرة التنمية والبناء في البلدان التي ساد فيها، فعانت من الفوضى والفقر والتخلف بالرغم من وفرة الإمكانيات المادية والبشرية.لقد ساد ذلك التفكير خمسة عقود ماضية، فهل اختفى السيد كوران وشركاؤه عن المشهد السياسي والثقافي العربي؟ هل توارى ذلك المنطق (خجلا) بعد أن أثبتت الأيام تهافت تلك الأوهام، وبعد أن تغيرت عناصر المعادلة السياسية والثقافية خلال العقدين الفائتين. كل الدلائل تشير إلى أن هذا المنطق المغرم بالهتافات واللافتات والشعارات والإنشاء اللغوي الاستهلاكي الفضفاض ما زال سائدا حتى اليوم، وما زالت بقاياه عالقة في رؤوس يتاماه. لنتابع، إذن، لعبة الأمثال، فقد قرأت في مجلة (الصياد) اللبنانية قبل أيام هذا العنوان: "الدَّق بعين غرب والرقص بعين عنَّوب". وإذا لم أكن مخطئا فإن ذلك مثل لبناني. وإذا لم يكن كذلك فإني أقترح إضافته إلى قائمة الأمثال، فهذا هو واقع الحال مع من يكون صدى لغيره كالسيد أنور كوران. لا لأن "الدَّق" أو "قرع الطبول في البعد أعذب" كما يرى عمر الخيام، أو لأن العزلة لم تعد ممكنة بعد أن أصبح العالم قرية كونية واحدة، بل لأنه قد وجد دائما من إذا سقط المطر في جهة ما من العالم رفع مظلته حتى لو كان من منطقة تعاني التصحر وندرة المطر. فهو حِشَرِي مشغول بحل قضايا الكون، وبالتنظير لخلاص البشرية من كل مصائبها، لكنه يغفل عن إصلاح حاله، ويعجز عن حل أبسط الأمور المحيطة به كعادته وكأنه "طبيب يداوي الناس وهو عليل". بل هو "مثل الإبرة بتكسي الناس وهي عريانة"، كما يعبر المثل الشعبي اللبناني. أو كأنه نجار كرَّس وقته وجهده لصنع أبواب زبائنه أو إصلاحها، ولا وقت لديه لإصلاح باب منزله، فحق عليه المثل القائل: "باب النجار مخلوع". ولأن ذاكرة كوران مثقوبة فإنه لا يستطيع أن يغير من خطابه أو عاداته، ولأنه كذلك فإن التاريخ يعيد نفسه على يديه بكل أخطائه. وهذا ما حدا بالسيدة الغلبانة في مسرحية (كأسك يا وطن ) أن تهتف: "طول عمرك يا زبيبة". كان للردح الكوراني في العقود الخمسة الماضية وقع مؤثر في نفوس الأميين والبسطاء فانساقوا وراءه ليهتفوا ضد مصالحهم وضد مستقبلهم. وفات على من انبهروا بذلك الخطاب المراوغ أن "فاقد الشيء لا يعطيه"، ولم يفطنوا إلى ذلك إلا بعد خراب البصرة وغيرها. وكان عليهم أن يستفيدوا من نداءات باعة البطيخ على الأرصفة القائلة: "عَ السكين يا بطيخ". فقد كانت تلك أضمن طريقة لشراء البطيخ أو (الحبحب) أو (الجح) أو (الرقي) كما يسميه العراقيون. فالمظهر الخارجي للبطيخة لا ينبئ عن داخلها، كما أن الكتاب لا يقرأ من عنوانه أحيانا. والمثل يقول: "خلاخل.. خلاخل والبلا من داخل". ويقول: "وجه مدهون وبطن جائع". ويقول: "ما كل ما يلمع ذهبا". ويقول: "أسمع كلامك أصدقك أشوف عمايلك أتعجب"! أجل لقد كان خطاب كوران بيك مكابرا وانفعاليا وصاخبا وميالا للمبالغة في تقدير قيمته الذاتية. وهو خطاب يسعى إلى تلميع القبح، وإخفاء عيوب الواقع مع أن تلك المساعي تتعارض مع مضمون المثل اللبناني القائل: "شو بتعمل الماشطة مع الوجه العكش!" ويقابله قول الشاعر: "تدسُّ إلى العطارِ سلعةَ أهلها.. وهل يصلحُ العطارُ ما أفسد الدهر". ولم يسلم الفن والأدب من عدوى ذلك المنطق الصاخب حتى صار شكلا من أشكال الدعاية. دعاية يصفها الكاتب الأرجنتيني أرنستو ساباتو بقوله: "إنها كصور التقاويم أو البطاقات البريدية التي يعشقها أشد الناس ابتذالا في العالم". يعيش كوران بيك هذا الزمان ولا يعيشه، فهو ما زال متعلقا بأحلام العصافير، بل بأحلام الجراد، فأحلام العصافير صغيرة وجميلة. كما أن العصافير لا تدمر ولا تأكل الأخضر واليابس كما هو الشأن مع الجراد. وهذا الانفصال عن روح العصر وعن معطيات الواقع الراهن يؤكد ما يقوله الكاتب ساباتو من أن "القرون لا تنصرم على وقع صافرة". وأن عصرنا يحفل بكتاب ومفكرين يعتقدون أنهم من القرن العشرين (أو من القرن الواحد والعشرين) ولكنهم في واقع الأمر ينتمون إلى القرن التاسع عشر (أو قبل ذلك بزمن بعيد). إن السيد ساباتو يتحدث عن مناخات ثقافية أكثر تقدما وانفتاحا، فما عساه أن يقول لو ابتلي بأمثال كوران بيك الذي يريد أن يوقف الزمن وأن يعود بنا مرة أخرى إلى الوراء، لنرتكب من جديد أسوأ الأخطاء.hsn_saba@hotmail.com