محمد الحرز
في الآونة الأخيرة بدأت الضغوط تتزايد على الإدارة الأمريكية بسبب السياسات التي أثبتت فشلها في الشرق الأوسط . هذه الضغوط أخذت شكل التقارير والبحوث التي حاولت أن تعيد تقييم السياسة الخارجية لأمريكا , وتضعها موضع التساؤل والنقد , وبالتالي إعطاء التصورات والمقترحات بخصوص هذه السياسة , وكذلك بخصوص علاقتها بالعالم العربي والإسلامي . ولا شك في أن من أهم العوامل التي دعت إلى اتخاذ السياسات المعارضة ضد توجهات الإدارة الأمريكية هو ما يقال في غالبية الإعلام الأمريكي بأن المحافظين الجدد بزعامة " تشيني , رامسفلد" خطفوا السياسة الأمريكية من تراثها المرتبط بالولسونية - نسبة إلى الرئيس الأمريكي ولسون - وحولوا السياسة الخارجية بقيادة بوش إلى جعل أمريكا في تصورات الآخرين بمثابة دولة أصولية تبشر بقيمها الديمقراطية الأكثر إنسانية وتحضرا وتقدما . وكذلك من العوامل الأخرى ارتباط هذه السياسات بالحرب العالمية ضد الإرهاب , وموقف دول العالم من هذه الحرب , ومدى الاستجابة والمساعدات التي تقدمها كل دولة في سبيل القضاء على آفة الإرهاب . إن المحللين السياسيين الغربيين كشفوا في تعليقاتهم مدى تعاظم الرعب والخوف الذي أصاب الأمريكيين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث بدا للوهلة الأولى أن ثمة مفارقة كبيرة سوف تؤثر بشكل كبير على المنظور السياسي للبيت الأبيض في علاقاته الدولية , وكذلك مع النظام الدولي وقوانينه ودساتيره , هذه المفارقة تتمثل في الإحساس والشعور المزدوج الذي أصاب هذه السياسة من العمق , فهو شعور يتوزع بين الخوف وعدم الأمان من جهة , وبين قوة وعظمة وهيمنة أمريكا على العالم من جهة أخرى . من هذا المنظور بالتحديد نحن نتفهم تماما مواقف بعض النخب الأمريكية المثقفة والتي تأتي على شكل مقولات نقدية لاذعة تمارس من خلالها تفكيك الخطاب السياسي الأمريكي الرسمي , وتكشف زيف الادعاءات والأكاذيب التي يستند عليها هذا الخطاب , وبالتالي تسعى جاهدة إلى المساهمة الفعالة في تغيير هذه السياسات من خلال مقترحاتها التي بالتأكيد بنيت على خبرة وتفهم عميقين للعلاقات الدولية والسياسة العالمية . نشر "تقرير واشنطن " في موقعه على الانترنت تقريرين حول كتابين صدرا حديثا . الأول بعنوان" رمال الإمبراطورية - السياسة الأمريكية ومخاطر طموحها " للكاتب روبرت ميري وهو صحفي ومراسل لجريدة وول ستريت جورنال . يعتقد ميري - حسبما جاء في التقرير- أن السياسة الخارجية الأمريكية انحرفت منذ نهاية الحرب الباردة , واعتمدت على الفكر السياسي الواقعي الذي يؤمن بفكرة القوة والصراع , بعدما كانت هذه السياسة سابقا قبل هذا الانحراف تعتمد على الفكر السياسي المثالي " والذي يتصور العالم كمكان سلام من خلال تبني فكرة المدينة المثالية عند الإغريق القدماء " . وعندما تساءل عن دور هذا الفكر السياسي الواقعي , وعن مدى نجاحه أو فشله في رسم سياسة أمريكا الخارجية فإنه خرج بتصور وجد فيه أن إدارة الرئيس جورج بوش جعلت من أمريكا دولة صليبية تحاول أن تضع العالم في أحسن صوره كما تتصوره الإدارة الحاكمة ويرى أن ذلك سيشكل خطرا وسيجلب هزيمة لأمريكا على نفسها" . لذلك وضع الرئيس الأمريكي - كما يرى الكاتب نفسه - في شكل المبشر الغيور على مصلحة العالم , وعلى هذا الأساس أدخل بوش ممثلي ثلاث مدارس فكرية استراتيجية لقيادة السياسة الخارجية الأمريكية وهم : الواقعيون - ممثلون في هنري كيسنجر- يؤمنون بالقوة وفكرة الصراع في العلاقات بين الدول , القوميون الأمريكيون - ممثلون في ديك تشيني ودونالد رامسفلد- وهم الذين يتبنون ضرورة نشر الديمقراطية حول العالم , والمحافظون الجدد - ممثلون في بول وولفويتز- ممن يؤمنون بدور أمريكا النبيل في العالم . ولكن المشكلة التي يستخلصها الكاتب تتمثل في فشل الولايات المتحدة أو عجزها عن رؤية العالم على صورته الحقيقية .أما الكتاب الآخر فهو " معركة الأفكار في الحرب ضد الإرهاب " للكاتب روبرت ستلوف مدير عام معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى - يجب أن نضع مصطلح الشرق الأدنى موضع الشك والريبة لأنه مصطلح استشراقي بالدرجة الأولى- وكما ورد في التقرير يتساءل الكاتب عن الأخطاء التي وقعت فيها الدبلوماسية الأمريكية فيما يخص علاقتها بالعالم العربي والإسلامي , ويحددها في ستة أخطاء : الأول : جهل الولايات المتحدة بأعدائها وأصدقائها , إذ بدون التفريق بينهما لا يمكن أن تنتصر, فهناك دول عربية متشددة , وأخرى معتدلة . الثاني : منح الحكومة الأمريكية مساعدات وقروض إلى حكومات استبدادية , مما يولد عدم ثقة في الشارع العربي بالدبلوماسية الأمريكية . الثالث : الاهتمام بالدعاية إلى الانفتاح والتسامح الديني على حساب الدعاية للسياسة العامة . الرابع : خسارتها السباق في كسب عقول الشباب في الشرق الأوسط بسبب جهلها بأساليب المعركة الصحيحة . الخامس : عدم اعتراف الولايات المتحدة بالأسباب الرئيسية لكراهية ملايين المسلمين والعرب لها , وهذه الأسباب كما يراها الكاتب هي دعمها المطلق لإسرائيل , وكذلك سياستها المتبعة في العراق , وحربها الحالية ضد الإرهاب , وذلك بخلاف الأسباب التي تخدع بها أمريكا نفسها كما يقول الكاتب من قبيل الاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية . السادس : إجاباتها الخاطئة في ردها على وسائل الإعلام العربي مثل قناة الجزيرة . حيث يرى الكاتب أنها أخطأت في رصدها ملايين الدولارات بغرض إنشاء مؤسسات إعلامية ناطقة باللغة العربية مثل قناة الحرة وراديو سوا بلا أهداف معلنة , مما أدى إلى فشلها في تحسين صورتها أمام المواطن العربي . وفي خلاصة الكتاب يحاول أن يقدم الكاتب بعض المقترحات على الحكومة الأمريكية في سبيل تحسين صورتها تلك . وسوف نكتفي بهذا القدر من سرد أفكار هذا البحث , لنقول إننا هدفنا من وراء هذا السرد وعرض هذه الأفكار إلى توضيح بعض الحقائق المتعلقة بسياسة أمريكا في علاقتها بالعرب . لقد دأب الفكر السياسي العربي بشقيه القومي والإسلامي منذ ما يقارب الخمسينات إلى تصعيد النبرة العدائية ضد الحضارة الغربية وكأن الغرب وأمريكا هما شيء واحد , وما زاد الطين بلة هو الانسياق وراء قناعة ترتبط بالمثل القائل " وشهد شاهد من أهلها " حيث برزت في تلك الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أصوات مثقفة غربية تجاهر بسقوط الحضارة الغربية , وأبرز مثال على ذلك كتاب " أفول الحضارة الغربية " أوزوالد شبنجلر الذي انتشر بسرعة البرق في الأوساط العربية للتدليل على سقوط هذه الحضارة في الحضيض . وبالمثل الآن نجد كتب نعوم تشومسكي الذي يعارض السياسات الأمريكية ويكشف ألاعيبها تنتشر للتدليل على ما سبق ذكره . إنه الخلل الكبير في تفكيرنا إذا ما ذهبنا بالاعتماد كلية على الخطاب النقدي الذي ينتجه الغرب عن نفسه في جميع المجالات . فمتى نميز ونفرق بين نقدنا للآخر الغربي من خلال رؤيتنا الثقافية والمعرفية الخاصة وبين نقدنا له من خلال نقده لنفسه , وكأنما لسان حاله يقول بضاعتنا ردت إلينا ؟!.mohmed_z@hotmail.com