حسن السبع
يعتبر المثل خلاصة تجربة حياتية، ورحيق ذاكرة جمعية متوارثة، لأنه يعبر عن محيطه الاجتماعي والثقافي، كما يجسّد مستويات التفكير الجمعي، فهو، إذا، وثيقة اجتماعية ثقافية لخبرات وتجارب وعادات وقيم الناس. وقديما قيل: إن الأمثال لا تُعارض.. لكنها مع ذلك ليست حقائق مطلقة لا يرقى إليها الشك، فلكل زمان لغته المتناغمة مع طرق وأنماط العيش والتفكير الخاصة به. قد يشكل المثل حقيقة ما في زمان ما.. لكن ذلك لا يجعل منه حقيقة لا يرقى إليها الشك في كل الأزمان.وقد سمعت هذا المثل لأول مرة في مسرحية (كأسك يا وطن). على لسان مواطنة غلبانة تستفسر من المسؤول في مصلحة الكهرباء السيد (أنور كوران) في بث (عربي) مباشر عن أسباب انقطاع الكهرباء المتكرر. وقد اختير الاسم ليعبر بسخرية لاذعة عن طبيعة عمل المسؤول. فهو (أنور) نسبة إلى الإنارة، وهو (كوران) نسبة إلى التيار الكهربائي كما في اللغة الفرنسية courant أو كما في اللغة الإنجليزية current، لكن يبدو أنه ليس لذلك المسؤول الضوئي من اسمه نصيب. تسأله السيدة عن أسباب انقطاع التيار الكهربائي فيجيبها قائلا: إن التيار المعادي لأمتنا لن يمنعنا من الوقوف بحزم إلى جانب حركات التحرر في العالم أجمع. وهي لقطة ساخرة معبرة عن (تيار) واسع الانتشار ينشغل بكل قضايا الأرض، وينسى أبسط شؤونه الخاصة. وما أشبه الليلة بالبارحة! ولو ترك صاحبنا (حركات التحرر في العالم أجمع) وشأنها، وانشغل بقضايا مدينته أو قريته لوفر وقتا للحد من انقطاع تيار الكهرباء المتكرر، ولتحسن مستوى هذه الخدمة العامة في الحي الذي تقطنه تلك المواطنة المغلوبة على أمرها. لو فعل ذلك ضمن هذا الحيّز الجغرافي الضيق لساهم في بناء العالم بأسره. (سأكرر هذه العبارة في المَثَلين التاليين). أعود إلى المثل القائل (طول عمرك يا زبيبة). فقد كنت أظن خطأً أن (زبيبة) امرأة مثل (حليمة) التي غالبا ما تعود إلى عادتها القديمة، وذلك لتقارب معنى المثلين. لكني بعد التقصي علمت أن المقصود هو (الزبيبة) نفسها، أي مفرد (الزبيب) أو (ذاوي العنب) كما يعرّفه ابن منظور في لسان العرب، وذلك بعد أن اطلعت على تكملة المثل التي لا ضرورة لإيرادها، حيث يبقى المثل معبرا ووافيا بالغرض دون الحاجة إلى تلك التكملة.لكن الزبيبة المسكينة مظلومة أو مفترى عليها قياسا بنظرائها من أمثال (كوران بك) الذين يختنقون لو تغيَّروا أو غيَّروا من خطابهم. وعندما يستبد بك العجب من هذا الإصرار على الجمود والعالم في تغير مستمر تتساءل: ألم يمل هؤلاء من أنفسهم؟ أو كيف يطيق هؤلاء أنفسهم، وهم يثرثرون بخطاب أكل عليه الزمن وشرب ونام. وكيف يفبرك أحدهم الكذبة ويصدقها؟ وقد أجاد (غوار) وهو يطرح على شخصية مشابهة لهذه الشخصية في المسرحية نفسها السؤال التالي: سيدي.. حلَّفتك بالله هلاَّ أنتَ مقتنع بها الكلام اللي عَمء تقوله؟. طبعا لا .. لكن المثل يقول: طول عمرك يا زبيبة! ولا يقف الأمر بأصحاب هذا الخطاب عند هذا الحد بل يتم هدر الوقت والجهد في الاختلاف حول المسميات، والانشغال بها عن قضايا أكثر إلحاحا لأنها تتعلق بحياة الإنسان ومعيشته وأمنه. فيا أيها الوقت ما أرخصك عند زبيبة! @@@ أهل الميت صبروا والمعزون كفروا:هذا مثل يشير إلى مزايدة المعزّين على أحزان الثكلى. كما يشير إلى (حِشريةٍ بلا حدود). فعند زبيبة (حميمية) زائدة عن الحد، حميمية تفوق حاجة الاستهلاك المحلي فيتم تصديرها إلى كل جهات المعمورة الأصلية والفرعية. وتتجاوز حرارة تلك الحميمية معدلاتها الطبيعية حتى تتحول إلى (حمَّى). حِشرية تتخذ أحيانا شكلا من أشكال الوصاية. وقد تجاوزت تلك الوصاية الجانب الاجتماعي إلى الجانب السياسي والفكري، فأعطت نفسها الحق في ترتيب بيت (الشقيق)، والتدخل في شؤونه حتى أصيب بـ (الشقيقة). (الشقيق) أعرف بظروف بيته من (الأشقاء). وقد قيل: أهل مكة أدرى بشعابها. غير أن هنالك من يريد أن يكون (مكياًّ) أكثر من المكيين، كما أن هنالك من يريد أن يكون (بَصءريًّا) أكثر من البصريين، ولو كان في ذلك خراب البصرة. ولدى بعضهم رغبة عارمة في فرض (أجندته) وتصوراته حتى على أهل (جزر الواق واق) مع أن معرفته بالحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي في تلك البقعة التي لا وجود لها أصلا تشبه معرفتي بما يجري في عالم المال. ولو انشغل هذا (المعزِّي) بما حوله، وضمن الحي الذي يسكنه، وحاول أن ينفق ذلك الوقت والجهد في سبيل تحسين ظروف الحياة له ولجيرانه على الأقل، لساهم في عملية التنمية في مدينته أو قريته. لو فعل ذلك ضمن هذا الحيّز الضيق لساهم في بناء العالم.@@@ حشر مع الناس عيد:هذا مثل يكرس السائد.. ويمثل ثقافة القطيع أحسن تمثيل. وجاز لمن يعترض عليه أن يتساءل: (عيد بأية حال عدت يا عيد؟) وأي عيد هذا الذي يجعل صاحبه يردد ما تقوله (الجوقة) السياسية والاجتماعية والثقافية. وأي عيد ذلك الذي يسلب الإنسان إرادته وتفرده، ويعطل قدراته العقلية فيردد مقولة(سمعت الناس يقولون شيئا فقلت)؟. كلما رأيت على شاشة التلفزيون حشودا منوَّمة تنويما مغناطيسيا (تهتف) ضد مصالحها، وضد مستقبلها تأكد لي تهافت هذا المثل، وتساءلت: كيف يكون الحشر مع هؤلاء الناس عيدا؟ (حشر مع الناس عيد) حين تحاول أن تنتشل الناس من الأمية. وحشر معهم عيد حين تحاول أن تقدم لهم خدمة اجتماعية، والحشر معهم عيد حين تتطوع لتحسين ظروف حياتهم. وباختصار فإن الحشر معهم عيد حين يكون لك دور إيجابي في حياتهم. ولو فعل أي منا ذلك ضمن هذا الحيّز الضيق لساهم في بناء العالم، ولأصبح الحشر مع الناس عيدا!hsn_saba@hotmail.com