محمد الحرز
لماذا تتباكى النخب السياسية والثقافية العربية , وتقوم قائمتها ولا تقعد بالصراخ مرة وبالعويل والتهديد مرات أخرى , وذلك عندما شعروا بأن الهوية العربية للعراق مهددة بالاضمحلال والتلاشي من خلال فقرات وردت في الدستور تقول ان العراق جزء من العالم الإسلامي ؟!. ولماذا يحتج الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى مع ثلة من القوميين العرب العتاة على هذه الصياغة رافضين الاعتراف بهذا الدستور ؟!, وكأن هذا الدستور يأتي بمثابة حصان طروادة الذي سيقسم العراق إلى طوائف متناحرة وكيانات أشبه ما تكون بكانتونات صغيرة لا حول ولا قوة لها على خارطة السياسة العالمية . هم يدعون أن المخططات الأمريكية تسعى إلى جعل العراق دويلات صغيرة قابلة للسيطرة عليها بعد إضعافها من خلال الاحتراب الطائفي , ومن ثم تؤمن السيطرة الفعلية لإسرائيل على المنطقة , ناهيك عن التحكم في الثروة النفطية للبلد . ولكن أين كان هؤلاء النخب أيام حكم صدام؟ , لماذا لم يرفعوا من عقيرتهم ضد سياسات صدام التعسفية التي أقل ما يقال عنها انها سببت شرخا في الصف العربي , وخلخلت الإيمان بمقولة الوحدة العربية؟ . ألم تكن دكتاتورية صدام في العراق طوال ربع قرن هي صناعة أمريكية , ومن مخططاتها الاستراتيجية لإضعاف العرب والهيمنة عليهم ؟ إذا لماذا لم يكشفوا هذه المخططات في حينها , ويعلنوا على رؤوس الأشهاد خطر هذه الدكتاتورية على العالم العربي بأجمعه ؟. لقد كان الصمت مطبقا على الأفواه بفضل كابونات النفط من جهة , وبفضل الإيمان حد الوهم بمقولات متخشبة عن الوحدة العربية والقومية والخطر الصهيوني من جهة أخرى, التي سيست بالضد من مصالح الشعوب العربية , ومصالح أجيالها في المستقبل . أليس الأولى بهؤلاء الذين يتشدقون بملء أفواههم عبر الإعلام والفضائيات العربية خوفا من ضياع وحدة العراق , ومن هيمنة المحتل الأمريكي , أن يبحثوا عن أسباب فشل السياسات العربية في علاقتها الدولية من خلال التاريخ السياسي والجغرافي للمنطقة منذ معاهدة سايس بيكو إلى ما بعد الحادي عشر من سبتمبر , إضافة إلى فشل النخب أنفسهم في مشاريعهم النهضوية التي جرّت على الوطن العربي الكثير من الويلات والدمار والتخلف , وليس من خلال إلقاء اللائمة على العراقيين خصوصا الذين عانوا الأمرين من الدكتاتورية الصدامية . ان من يتأمل مواقف هؤلاء المثقفين والسياسيين البيروقراطيين القوميين منهم وبعض الإسلاميين المتشددين والجهاديين يجدها تنطوي على نظرة ضيقة للأزمات والإشكاليات السياسية والثقافية والاجتماعية التي تعصف بالمنطقة , وكذلك على رؤية طائفية بغيضة للهوية العربية والإسلامية . لقد رضوا لأنفسهم الدفاع عن جرائم صدام , أو على الأقل السكوت عنها , وذلك في سبيل النهوض بالمهمة المقدسة, ألا وهي كشف ومحاربة المخططات الصهيونية والأمريكية , التي هي الشر المطلق في تصوراتهم للمنطقة . وهي من المهمات الكبيرة التي سيحاكمنا التاريخ عنها - كما يقول أحدهم على قناة الجزيرة - إذا نحن لم نضطلع بها من خلال الجهاد والمقاومة المصبوغين بالعنف والإرهاب . ولكن من هم الضحية هنا في هذه المعادلة المتطرفة ؟ ألا يمكن القول هنا أن المستضعفين والفقراء من أطياف الشعب العراقي هم الأكثر ضررا , لأنهم بكل بساطة كانوا هم محرقة ووقود حزب البعث الإجرامي . لماذا ينبغي نسيان أو محاولة تغافل هذا التاريخ من الوحشية والتسلط والظلم لأسباب لا تعدو كونها إيديولوجية مواقف , وأفكار في معظمها مغلوطة عن التاريخ السياسي للمنطقة, وكذلك عن السياسات الدولية الراهنة ؟.يقول الدكتور غسان سلامة (يبدو أحيانا في صفوف القوميين العرب من ينظر إلى المنطقة وكأنها كانت وحدة سياسية متكاملة حتى جاء الغرب وجزأها . وينظر بعض المتحمسين للكيانات القائمة لهذه الأخيرة وكأنها كانت هنا منذ الأبد . الواقع مختلف طبعا . فالمنطقة كانت عمليا خلال القسم الأعظم من الخلافة العباسية حتى دخول العثمانيين مجزأة إلى امارات وولايات مستقلة . وكان لأمير حلب أو الموصل أو جبل لبنان في عدد من المراحل استقلالية شبه تامة عن موقع السلطة النظري , ومن هؤلاء من تحالف مع الصليبيين ضد أمير عربي آخر , ومنهم من تعاون مع المماليك ضد جاره . التفرقة السياسية هي من تاريخ المنطقة بقدر الوحدة , أو أكثر على الأرجح). ناهيك عن الوهم المعشش في أذهان الإسلاميين الأصوليين عن الهوية والحاكمية الإسلامية للدولة , وارتباطها بتطبيق الشريعة الإسلامية . لذلك ليست المعارضات التي يرفعونها ضد قيام نظام فيدرالي في العراق سوى معارضات تختفي خلفها مصالح آنية عند البعض , ومواقف إيديولوجية شمولية وسقيمة عند البعض الآخر , وإذا كانت وجهة نظرهم تقول بالمخاوف من قيام نظام فيدرالي على تقسيم طائفي من خلال الاستقطاب الحاصل بين حزب الإتلاف الشيعي الموحد وبين الأكراد, فإن أعتى الأنظمة الفيدرالية في العالم قامت وظيفتها على منع الحروب الطائفية والأهلية بين أطياف المجتمع الواحد , فمن ينسى الحروب الإنجليزية والهولندية والفرنسية والأسبانية , وكلها حروب تشكلت من خلال التطرف الكاثوليكي البابوي ضد المعتقدات الأخرى في التأويل الكنسي للمسيحية . ليست هذه مجرد مقارنة , بل رؤية معاصرة للتحولات السياسية التي تطال مجتمعات وشعوب العالم في تطلعاتهم للعيش المشترك في ظل رؤية معولمة للعالم . إن التاريخ العراقي- يقول ميثم الجنابي- هو بمعنى ما تاريخ الهموم الكبرى, بدءا من الطوفان وملحمة جلجامش وانتهاء بمآسيه المعاصرة. بل ان امتلاءه بالوجدان الصارخ والتضحيات الجسام والمذابح الرهيبة يعكس عمق الوجدان وهمومه بالأمور الكبيرة . إن هذه الهموم الكبرى تنسجم تماما مع المطالبة بالفيدرالية لأنها بكل بساطة كانت ومازالت تاريخيا تسمو على العلاقات الطائفية بالمفهوم الضيق للكلمة. يقول المؤرخ العراقي الكبير (حنا بطاطو) (إن الهوية الطائفية في العراق ضعيفة للغاية إذا ما قورنت بالهوية القبلية أو المحلية) وهذا أحد المؤشرات المهمة التي تؤكد على عمق التراث التاريخي للعراق باعتباره هوية عراقية وليست عرقية , وعربية وإسلامية . من هنا أليس من الممكن النظر إلى ولادة الدستور العسيرة التي صاحبها سباق مارثوني في صوغ بنوده , وكذلك التدخلات الأمريكية في تعديل بنوده , وكذلك المحاصصة الطائفية التي سيست المواقف , كل ذلك هو بمثابة المقدمات الضرورية لصناعة عراق جديد قائم على النظام السياسي الديمقراطي الاجتماعي , والمجتمع المدني, والتنمية الشاملة.mohmed_z@hotmail.com