حسن السبع

حسن السبع

إذا كانت "الكياسة" أو الفطنة صفة للثقافة كما يرى تيري إيجلتون، فإن صناعة الحرب في كثير من وجوهها أبعد ما تكون عن تلك الصفة، وحين يقترن اسم الثقافة بالحرب والصراع تمد المفارقة عنقها، فللحرب وجه كالح وحصاد مر، عبر عنه كثير من إبداعات الأدباء والفنانين قديما وحديثا. ولهذا ينطوي تعبير "الحرب الثقافية" على تناقض ما. غير أن الكياسة التي يشير إليها تيري إيجلتون ذات صلة بالجانب الإبداعي الجمالي من الثقافة وحده.فالجمال كالحب يدان ممدودتان لاحتضان العالم بكل ما فيه من تنوع واختلاف. ولذلك يشكل أصدقاء الجمال عصبة تنظر معا في اتجاه إنساني واحد دون اتفاق مسبق، حيث الجمال قاسم مشترك بينهم رغم اختلاف البيئات والأعراق. بالإبداع يجتازون حدود الزمان والمكان كالغيمات أو الطيور التي لا تعترف بالحدود والأوراق الرسمية ولغط الهويات والعصبيات. @@@مستر هايد الثقافةوإذا كانت الكياسة صفة للثقافة في شقها الجمالي، فإن السياسة في بعض وجوهها بعيدة عن ذلك الجانب. وفي كتابها (الحرب الباردة الثقافية) وتحت عنوان (أصدقاء القلم) تتحدث المؤلفة البريطانية فرانسيس سوندرز عن المحاولات الرسمية الدؤوبة لتحويل الإبداع إلى جسر للدعاية وخدمة المصالح القومية المحدودة، ومن ثم تحويل المثقف إلى "زامر" يلبي طلبات الذي يدفع ثمن الألحان، في إشارة للمثل الإنجليزي القائل: "من يدفع أجر المغني من حقه أن يختار الأغنية". وبذلك يفقد الكاتب نقاءه أو طفولته التي تشوّهها "عناية المُهَندِمين".وفي هذا السياق تشير المؤلفة إلى محاولات مكتب الـ(سي آي أيه) في منتصف الستينات من القرن الماضي للتأثير على نشاطات (نادي القلم الدولي)، وإلى خشية أعضاء النادي في فروعه الأوربية، وخصوصا القسم الفرنسي، من أن يتحول الكاتب إلى موظف دعاية، أو أن يتحول من "روح مستقلة إلى شخصية عامة" أو من دكتور جيكل الطيب إلى مستر هايد الشرير، كما في رواية روبرت لويس ستيفنسن الشهيرة التي سعى بطلها الدكتور جيكل إلى خدمة البشرية بفصل شخصية الإنسان الطيبة عن الشريرة، لكنه ما إن ينجح في ذلك بتجريب التركيبة الكيماوية التي اخترعها على نفسه أولا حتى يتحول إلى شخصية شريرة اسمها إدوارد هايد. وهكذا فهو تارة دكتور جيكل الطيب، وتارة أخرى مستر هايد الشرير. والمغزى من استدعاء هذه الرواية في هذا السياق هو الخشية من أن يتقمص المبدع شخصيتين، إحداهما مضيئة والأخرى مظلمة، فيكون مع الجمال مساء ومع القبح صباحا، أو العكس. وإذا كانت الحرب والسياسة وصراع المصالح والهويات تفرق بين بني البشر، فإن الثقافة في جانبها الجمالي قاسم مشترك بين المبدعين في كل جهات الأرض. وعند الحديث عن الإبداع والمبدعين، لابد من استثناء غرغرة الفن والأدب الموجه بمقود الأيديولوجيا، وكذلك أدب العنتريات والعصبيات والأنظمة الشمولية والنزعات الشوفينية الذي يلبس جلباب الالتزام.@@@الوجه الآخر للالتزامللمبدع موقف نقدي إيجابي مما حوله. وينبغي التأكيد هنا على "الإيجابية". فالمواقف النقدية السلبية على كل المستويات هي تلك التي لا ترى في الوجود شيئا جميلا، أو أنها لا تراه جميلا إلا إذا كان منسجما مع رؤيتها الأحادية، والمبدع أبعد ما يكون عن الانغلاق والرؤية الأحادية الضيقة. لقد عمل ذلك التوجه زمنا طويلا تحت مسمى (الالتزام)، وكان وما زال الالتزام عنوانا برَّاقا، باعتباره حصانة من الفوضى. ثم اكتشفنا أن الالتزام والفوضى مسائل لها أكثر من وجه، وفيها أكثر من قول، وأكثر من رأي. وسنقف هنا عند (الالتزام) هذه المفردة التي تجمع بين النقيضين. فالدكتور جيكل ملتزم بقيم الخير والجمال، وملتزم بخدمة الإنسانية، لكن مستر هايد ملتزم أيضا تجاه مصالحه ونزعاته الشريرة. وفي واقعنا الحاضر هنالك من هو ملتزم بحب البشرية، وتعمير الأرض، وعلى النقيض من ذلك الالتزام الجميل "يلتزم" مستر هايد هذه الأيام بتقويض ما يبنيه الأول. لا توجد ثقافة بلا هدف وبلا معنى، لكن الهدف والمعنى ينبعان من ذات الفنان ووفقا لإرادته الحرة وحدها، وكذلك ينبع الالتزام بتلك المعاني والأهداف. مع ذلك فقد وُجِدَ دائما من يبحث عن معادل أيديولوجي لكل عمل أدبي أو فني متجاهلا الخصوصية المميزة للإبداع، باعتباره رافدا من روافد المعرفة الإنسانية. وتلك نزعة تجرد الفنان من حريته، وهي أهم أدواته الإبداعية. إن مستر هايد المعسكر الغربي لم يختلف آنذاك عن نظيره مستر هايد المعسكر الشرقي القائل: "إن فن العالم الجديد سيكون فنا صناعيا أو لا شيء على الإطلاق". وهي نكتة لا تروق لأصدقاء الإبداع التوَّاقين إلى احتضان العالم بأسره، وإلى التعبير عن أفكارهم ومواقفهم بعيدا عن التبعية المفروضة.@@@الإصغاء إلى صوت الحياةكل نص يفرزه الحب لبنة أخرى تضاف إلى صرح الجمال، وحصانة من القحط الأخلاقي الذي يحاصر عالم المصالح المادية، وهو استراحة وجدانية تخفف من ضجيج وصخب عالم المصالح ولهاثه الذي لا يهدأ. وتلك لغة لا يفهمها سدنة المصالح المادية، إذ لا وقت عند اللاهثين وراء المكاسب الآنية ومحترفي الاقتتال على الهويات والأفكار لتأمل الجمال المنساب حولهم، بل لا قدرة لهم على رؤيته. تلك فراديس أصدقاء الإبداع في مختلف الثقافات، أولئك الذين يرون الجمال حتى في الأشياء المتناهية في الصغر. كيف يتسنى لمن حرموا من الإحساس بالجمال، ومن لحظات الحلم الماطرة "سماع ثرثرة الأزهار على اللوحة" أو الإصغاء إلى "شجرة الجوز الفتية تنمو خضراء.. أو الأزهار وهي تخلع ألوانها.. أو خطاب النجوم.. وأنين الريح.. وينابيع الأرض وهي تصلي".. ربما يغتالون كل ذلك البهاء إذا مروا به، ولا يخلِّفون وراءهم إلا الرماد والأنقاض. لن نرى الجمال إلا بعين الحب، ولن نحب إلا بعين الفهم، ولن نفهم إلا إذا نظفنا الذاكرة من أدرانها، وأصغينا جيدا إلى صوت الحياة من حولنا.hsn_saba@hotmail.com