محمد الحرز

محمد الحرز

الوطن جزء من الكيان الإنساني , وإذا كان كذلك, فهو بالتأكيد يحتل مركز الصدارة في تشكيل الشعور بأهمية الارتباط بالوطن من العمق . وهو ارتباط ينمو باطراد كلما أحس المرء بالرغبة في التماهي مع وطنه . هذا الإحساس بالتماهي عادة ما يلح عليّ وأنا خارج البلاد , إحساس لا يمكن وصفه أو تلمسه عن قرب , هو أقرب إلى الماء المنسرب من بين اليدين , وكلما حاولت أرجع خائبا.ربما لأن رصد الشعور الإنساني ومحاولة جره إلى مصيدة التعبير اللغوي هو بمثابة العقبة الكأداء التي تقف حجر عثرة أمام كل محاولة من هذا النوع . ناهيك عن المخاوف التي تصاحب مثل هذه المحاولات , وهي مخاوف تعكس الرغبة الشديدة عند غالبية الناس للهروب من المساءلة وذلك عندما يتعرضون إلى مواقف يضطرون فيها للكشف عن مكنونات أحاسيسهم تجاه أوطانهم . الامتحان صعب ولا يسع المرء الوقوف على حقيقة ما يختبئ خلف تلاوين تلك الانطباعات الأولى لمثل هذه الرغبات . بل لا يمكن التعرف على مجراها في نهر الذكريات , ولا أين تقف ؟ ولا عند أي مصب ترتطم به ؟ هناك فقط ما يشبه التدفق , ولكن في أي اتجاه ! لا يمكن التكهن بذلك على الإطلاق . كنت على قناعة تامة بأن تبرير الارتباط بالوطن لا ينبع فقط من حاجتنا الرمزية لإثبات هويتنا الوجودية والنفسية , وإنما ينبع أيضا من خلال تعرض هذه الهوية إلى خلل يفقرها فاعليتها الرمزية في حياة الإنسان . هذا الخلل الذي يصيب الهوية الوطنية بشرخ لا يمكن الإحساس به إلا في حالات نادرة , أو لأقل في حالات بعضها عابر كلمح البصر , وبعضها الآخر مستوطن مثل مدينة من الأشباح . لقد فاجأني نبأ وفاة المغفور له بإذن الله الملك فهد بن عبد العزيز وأنا خارج البلاد , وهذه الوضعية في تلقي مثل هذه الأنباء تجعلني أشعر بالضياع والارتباك , وكذلك بالرغبة العارمة في تأمل الصمت الذي يجتاحني ويهز جدار الكلام في داخلي . لا أريد هنا تأبين الملك الراحل والإشادة بالإنجازات التي مر بها الوطن في عهده رحمه الله , لقد سبقني زملائي الكتاب في التحدث عن هذه الإنجازات , وكذلك عن أثرها الكبير على مسيرة التنمية للوطن في شتى المجالات . ولكن ما أريد أن أضعه موضع التساؤل هنا هو حجم الخلل الذي يصيب الهوية الوطنية عندما تفقد الأخيرة احد رموزها الكبرى , والمتمثل هنا بالمليك ؟ لا شك أن طبيعة هذا التساؤل يفضي بنا مباشرة للحديث عن المركبات الثقافية والشعورية والاجتماعية للهوية الوطنية عند كل إنسان مواطن من جهة , وكذلك للوطن باعتباره كيانا ورمزا ووجودا من جهة أخرى . وهو حديث يمس من العمق العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تربط رموز الوطن بأبنائه على اختلاف توجهاتهم العقائدية والقبلية والأثنية , ولذلك ليس من السهولة بمكان التخلي عن مثل هذه التساؤلات , وإذا كانت الإجابة عليها ذات طبيعة ثقافية فكرية بحتة , فإن ذلك يقود بالأحرى إلى المعرفة الواعية بطبيعة العلاقة التي تجمع الوطن بأبنائه , وهذا في حد ذاته يعزز قيم الانسجام والتفاعل والحب والعاطفة للوطن . إن غياب المليك هو غياب رمز وطني , وعلى هذا الأساس ينبغي عدم إغفال ما للطبيعة الرمزية من أثر على ثقافة الوطن بمفهومها العام , وعلى مخيلته وتصوراته , بالطبع هذه الرؤية للحدث تنتمي إلى التفكير الثقافي كما قلنا سلفا , والرهان على نتائجه لا يتولد في لحظته الراهنة , وإنما يحتاج إلى صبر وتأن في انتشار تأثيره على الثقافة الرمزية للوطن , ناهيك عن المواطن الذي لا يتجاوز تفكيره في أغلب الأحيان سقف الحياة المعيشة . ومن آثارها الكبرى التي تبرز أثناء مرور الوطن بأحداث استثنائية كرحيل الملك على سبيل المثال هو الشعور بفقدان جزء مهم من الهوية الوطنية للمرء , ولا أظنه شعورا مراوغا البتة , أو مخاتلا للمرء بحيث يترك باب الشعور مواربا دون انحياز أو ميلان , وإنما هو شعور خبرته دائما يطفح في مثل هذه المواقف التي يمر بها الوطن , وكنت على يقين أن تدفقه يمثل بالنسبة لي دليلا قاطعا على متانة الارتباط بالوطن من العمق , وكذلك على الصلة الوثيقة التي تتأسس بين الرموز الوطنية وبين العمق النفسي والروحي للإنسان . قد يبدو حديثي للبعض مجرد تأملات ذاتية تحت ضغط الحدث وتداعياته , ولكن أليس من الأجدى في مثل هذه المواقف أن نحلل الشعور الوطني , ونضعه موضع التأمل والمساءلة ؟ لقد أكد لنا التاريخ أن أغلب حياة الشعوب كانت ترتبط برموزها الوطنية من خلال التجربة الشعورية والنفسية التي تتصل بتجربتهم للحياة داخل فضاء أوطانهم . إن مثل هذه المقاربات للشعور الوطني تعزز فهم الثقافة التي يستند عليها الوطن , وكذلك تعزز فهم نفسية مواطنيه بالقدر الذي نعرف فيه تماما حجم المكانة المتميزة التي يحظى بها الوطن كدولة ومؤسسات وتأثير استراتيجي على السياسات الدولية مقارنة ببقية الأوطان . إن الانتقال السلس للحكم وتولي قيادة دفة البلاد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لا يرجع إلى طبيعة نظام تقاليد الحكم في المملكة فقط , وإنما كذلك إلى تاريخ من التجارب الشعورية التي حكمت ثقافة الوطن فيما يخص علاقتها بالسياسة , وهذا الأمر في غاية الأهمية بحيث تجعلنا نفهم تماما كيف استطاعت المملكة أن تنأى بنفسها , وتبتعد عن منطقة اللا استقرار السياسي التي تعيشه كما نرى غالبية الأنظمة السياسية في العالم بغض النظر عن الطبيعة الديمقراطية للنظام , أو طابعه الشمولي المغلق . وإذا كانت الـ (واشنطن بوست) اشارت في عددها هذا الأسبوع إلى التعقيد في نظام الحكم في السعودية , فإنها بالتأكيد لم تفهم مدى الارتباط الوثيق الذي يمثله المليك كرمز في تصورات التجارب الشعورية للمواطن نفسه , وهي تصورات ترتكز على وظيفة أساسية وهي تحويل هذا الرمز , وإنزاله منزلة الوطن ككيان مؤسس للهوية الوطنية على الإطلاق . ولذلك يصعب على المراقبين السياسيين أن يفهموا هذه الطبيعة دون أن يتعمقوا كثيرا في فهم هذا المركب الشعوري الذي يعيشه المجتمع السعودي في علاقته بالسياسة من جهة , وكذلك في علاقته بالأسرة الحاكمة من جهة أخرى . وهي علاقة تتصل باحترام الدين والتمسك بتعاليمه , وكذلك تتصل بالطبيعة السمحة التي حكمت مسار التجربة السياسية في المملكة مقارنة بالكثير من أنظمة الحكم التي تجاوزت حدود القوة إلى العنف.mohmed_z@hotmail.com