محمد الحرز

محمد الحرز

على مدى قرون عديدة لم تمتلك القصيدة العربية ثقافة مغايرة , ليس المقصود الثقافة بشكلها العام , وإنما ما أقصده بالتحديد علاقة الثقافة العربية بالمتغيرات الأجناسية للقصيدة العربية , ونحن نعلم تماما أن الوعي الشعري مهما اتصل بالحياة فهو مشروط بسياقه الثقافي . هنا تكمن أهمية التحديث والمغايرة , ليس التحديث النخبوي للقصيدة , ولكن التحديث الذي يجعل من الثقافة والحياة منفتحين على بعضهما البعض حدّ التماهي والذوبان , كي يتأسس عليهما وعي شعري يتمدد باتساع الكون مهما صادفته من تأثيرات صادمة في بعض الأحيان , وهذا ما لم يحدث لقصيدتنا العربية المعاصرة إلى الآن , طبعا بغض النظر عن التطورات المرحلية التي عرفتها القصيدة في بنيتها الأسلوبية والدلالية .إن تحولاتها منذ الخمسينات لم يكن دافعها تطوير وعيها من الداخل بالأساس - وإن جاء هذا الدافع في مرحلة لاحقة من التطور والنمو - وإنما سياق التطور الثقافي والاجتماعي فرض على النص الشعري أن يكون في مواجهة المشهد , في مواجهة الأسئلة التي تصدى لها الطليعيون في الأمة من شعراء ومفكرين وسياسيين , وذلك في معرض إجابتهم عن قضاياهم الكبرى والمصيرية , بالطبع كان الشعر في مقدمة هذه القضايا . إذن هكذا بدأت مسيرة تطور القصيدة في العصر الحديث تحت وابل من الأسئلة التي لا تذهب إلى القصيدة مباشرة , ولكنما تحايثها أو تقفز فوقها إن استدعى الأمر ذلك , وبين البحث عن نفسها كقصيدة وبين التأملات الخارجية حولها في سياق حركة النهوض الثقافي العربي , يمكننا أن نقرأ المشهد بعين فاحصة , إذ ما بينهما تشكلت نظريات ومقولات وصراعات وانقسامات لا يسعنا تناولها أو إعطاء رأي حولها بسرعة. في المقابل كان المشهد الفكري الغربي يحتوي على نوع من الجدل والاحتجاجات وردود الأفعال بين تحولاته الثقافية والفكرية والسياسية من جهة , وبين آثاره الفنية المفصلية التأثير من جهة أخرى , أي أن هناك الحركة النازية والفاشية , يقابلها فكريا وجماليا مدرسة فرانكفوت الجمالية , هناك العقل وتحوله إلى أداة في خدمة رأس المال , يقابله على سبيل المثال مسرح القسوة والعبث ( أنتونان آرتو , بيكيت ..) أو موسيقى الروك آند رول . إذن ثمة تناغم ثقافي رغم الاختلافات والتناقضات الظاهرة على السطح , وإذا كانت قصيدة النثر - كمثال يشكل بؤرة التناقضات بين رؤيتين- ضمن هذه الجوقة من التناغم الثقافي الغربي , فهي لا زالت مبتورة من سياقها في تصوراتنا المربكة عن الشعر وعن تاريخه عند مختلف الحضارات والشعوب ,فكيف نصل ما انقطع , ونعيد وصل أنفسنا بالشعر والحياة ؟ هذا هو السؤال الحقيقي لأي تحول ثقافي شعري محتمل .لقد أدخلت القصيدة في تاريخ صراعنا الإيديولوجي الثقافي والسياسي وتلونت بألوانه ,لذلك كنا في الغالب ننظر إلى الشعر من خلال وعينا الإيديولوجي بالتشكلات التاريخية للأجناسية الفنية المختلفة باعتباره وعيا ارتبط بالثقافة أكثر من ارتباطه بالوجود , الأمر الذي يعني أولا : أننا لم نكن نمارس فهمنا للجنس الفني أو الشعري بوصفه ضرورة يتولد من حاجة الكائن البشري للوجود , وكذلك من المقولات والتعابير الجمالية البسيطة التي تتحول بفعل تأثيرات الثقافة إلى مقولات أكثر تعقيدا وتنوعا مما نظن . ثانيا : يقودنا ما سبق إلى القول إن الوعي الحاد بهذه المسألة في التنظير الأدبي الغربي جعل منها مثار اهتمام العديد من الفلاسفة والنقاد , من ذلك إتكاء الفيلسوف كروتشه على الحدس في تبريره لموت الأجناس الفنية , سبقه إلى ذلك إمانويل كانط , لكنه لم يصل إلى حدّ الإلقاء , هناك وحدة فنية تسمى العاطفة , وما عداها من تجنيسات لا تمس تقنيات الكتابة , بل تمس الحالات النفسية لها بالدرجة الأولى .لا يوجد الآن سوى الكتابة , خذ النصوص الفلسفية وضعها بجانب النصوص الإبداعية تجد هناك في معظمها تشابها بنيويا : فنص ميشال دي سار - على سبيل المثال- لا تعرف إجناسيته , كذلك نص نيتشه , ونص فينغتشاين هي نصوص تنتمي إلى الكتابة الشذرية وليست إلى الكتابة النسقية , كذلك نص جويس يخلخل مفهومنا للتجنيس , ولأن الكتابة خلخلة , فهي تهشّم كل تصنيف بنائي , ولا تنتج سوى النص , والنص لا يصنف , وحضوره يلغي الأنواع الأدبية , فبمجرد أن نخوض ممارسة الكتابة فأننا سرعان ما نكون خارج الأدب بالمعنى البورجوازي للكلمة , في النص يقول بارت : لا نتعرف على شكل الرواية أو شكل الشعر أو شكل المحاولة النقدية .والسؤال الذي يطرح هنا : هل يمكن إلقاء الأنواع الأدبية من وجهة نظر الخطاب النقدي على الأقل في بعض من جوانبه ؟ يجمع بعض النقاد على أن نظرية الأنواع الأدبية مبدأ تنظيمي للأدب حسب عاملي الزمان والمكان , حيث هي من الوجهة التاريخية لها مبرراتها التي لا تغتني عنها أي مقاربة نقدية للتاريخ الأدبي بشكل عام .كذلك لا يمكن إلقاء خصوصية كل نوع للأدب وإزالة الفوارق مهما كانت الممارسة الأدبية التي نتوخاها , فالتقسيم النوعي للأدب من أرسطو إلى جيرار جنيت يمثل ضرورة أملاها النص نفسه على الباحث الأدبي والفلسفي , وبدون سمات نوعية لا يمكن الاقتراب من النص إلا بشكل هولامي مضطرب وبالتالي لا يكشف عن وضعية النص سياقيا , ولا عن ديناميته بين النصوص الأخرى حسب مقولة ستيفان ما لا رميه , فهي سمات تكمن أهميتها في وظيفتها التحديدية , يقول إيخنباوم الناقد الروسي الشكلاني ( لقد اكتشفنا أن العمل الأدبي لا يدرس كواقعة معزولة , وأن شكله يحس به في علاقته بأعمال أخرى وليس في ذاته).خلاصة القول : أن الممارسة الكتابية بالمعنى الحديث للكتابة بوصفها خلخلة للأنواع المتصالح عليها , هي في حقيقة الأمر ممارسة لا تنفي خصوصية النوع ولا تلقيه , هي بالتحديد ممارسة كامنة في الأفق المستقبلي للنوع , ولن تخرج من إطاره , والتاريخ كفيل بتبيان ذلك.mohmed_z@hotmail.com