محمد الحرز
ثقافتنا المحلية لا تدفع الوعي النقدي إلى التحرر من وضعيته الراهنة كونها وضعية لا تنعتق من منظورها القديم الذي تطرح من خلاله أسئلتها وتصوراتها حول ما يخص التحولات والمتغيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تطال المنطقة برمتها , وكونها كذلك تنظر إلى منطق الأحداث من حولها بأثر تاريخي ارتجاعي , بحيث يتحول هذا المنطق في وعيها إلى موقف تبريري تارة , وإلى موقف دفاعي وانتباذي تارة أخرىوبين الاثنين يتشكل وعينا النقدي باعتباره وعيا لا يستمد عناصره من تحليل النصوص الإبداعية مضافا إليه الواقع المحايث للنص , إنما يستمدها من جهة ارتهانه بالوعي الجمالي للنصوص , أما جهة الواقع بوصفه واقعا ميثولوجيا وانطولوجيا , فهو غالبا بمعزل عنه تماما , وبالتالي الصلات الوثيقة بالواقع الراهن معرفيا وسسيولوجيا تظل حبيسة الأثر الجمالي الذي يفرضه النص على الواقع في حراكه الاجتماعي والثقافي , بمعنى آخر : مقولاتنا التحليلية النقدية عادة ما تتأسس بناء على تصورات ثقافية داخل النص فقط , وليس من خارجه أيضا , الأمر الذي يحيلنا إلى جملة من الافتراضات أهمها :أولا : خطابنا النقدي بتنوع مقولاته المعرفية لم يرتبط بموروثه الثقافي المحلي بالقدر الذي يمكنه من تجاوز المعوقات , تلك التي بدورها اختزلت الممارسة النقدية عندنا في سياقات تجزيئية وليست تجميعية , أي أصبحنا ننتج مفاهيم نقدية تنظر إلى النص والواقع والتاريخ والمستقبل والمجتمع وكأنهم يتحركون في دوائر مغلقة على نفسها دون أن يحركها من العمق نسق ثقافي متأصل في الجذور, وكأننا بذلك لا نمارس التفكير في وعينا النقدي لا في مفاهيمه ولا في مصطلحاته ولا في آلياته , وإذا كان الخطاب النقدي العربي يعاني هذه الأزمة , فنحن نعاني الضعف لأننا بكل بساطة لا نملك تاريخا نقديا مؤسساتيا يموضع وعينا النقدي في موضعه الصحيح وفق ما تفرضه علينا علاقاتنا كذوات اجتماعية مع الموروث والتاريخ والثقافة والآخر بشكل عام.ثانيا : ليست المعوقات التي أشرنا إليها سوى ما نراه , بالنظر إلى ساحتنا, من ضمور في الوعي النقدي وفق رؤيتنا السابقة مقارنة بتضخم الممارسة النقدية , وفي ظني من أهم الأسباب في تقطع الصلات بين الاثنين , هو الدرس النقدي الأكاديمي الذي يمارس داخل الجامعات , وما يتسم به من بعد في إنتاج مفاهيم تعيد صلة النقد بالواقع والتاريخ والمجتمع , ويكفي أن ندلل على ذلك بالدراسات النقدية التي تخرج من الجامعات على شكل رسائل ماجستير ودكتوراة , الأمر الذي يوحي بأن ثمة تواطأ ضمنيا ضد انفتاح الوعي النقدي وتطوره , يمارسه كل من المعلم والمتلقي على حد سواء . يضاف إلى ذلك من جانب آخر أن ما تنتجه النخب المثقفة من وعي نقدي لا يتكئ في مقارباته على مفاهيم مستولدة من البيئة الثقافية نفسها !! ما معنى ذلك !؟ معناه الاتجاه إلى تسوير النصوص الإبداعية عند تحليلها بمفاهيم نقدية لم تتعد تطبيقاتها حدود المناهج النقدية , ولم تتمكن كذلك من توسيع منظورها النقدي بما يسمح لمجموعة من القيم الثقافية المحلية أن تندمج في وعيها النقدي , ولنأخذ كمثال المفهوم التاريخي ( أو الحس الزمني بالتاريخ ) الذي نمارسه في ثقافتنا المحلية كقيمة متحققة سواء كان على المستوى النصي الكتابي ( يندرج تحته كل ممارسة نصية تتصل بالثقافة على مختلف فروعها وتوجهاتها ) , أو على المستوى الظاهراتي للسلوك الاجتماعي الثقافي , هنا في هذه المنطقة بالتحديد , يتعزز لدينا الاعتقاد أن أسئلتنا حول هذا المفهوم وقيمته لم تزل في الظل , ولم تزل كذلك بعيدة عن الهواجس المعرفية التي يمكنها أن تذهب بالسؤال النقدي إلى أقصى مداه , لذلك الأسئلة التي من قبيل : ما وعينا التاريخي ؟ ما مكوناته ومرجعياته ؟ كيف تشكل وبماذا ؟ وما الفرق بين قيمته التي نمارسها من خلال النص الإبداعي أو النقدي , وبين قيمته التي نمارسها من خلال السلوك ؟ لم تكن تتقدم المشهد , ولم تشكل بالتالي مفصلا حقيقيا في تطور الدراسات النقدية , رغم ما هنالك من استثناءات تحاول أو تكاد , أن تبني رؤيتها النقدية بالاتجاه نفسه , إلا أنها لم تستطع أن تؤسس لمنظومة معرفية قادرة على تكوين علاقات مفاهيمية , من شأنها تحليل أنساقنا الثقافية وتفكيك قيمنا الجمالية والفكرية , وإرجاعها إلى عناصرها الأولية , أكان ذلك من خلال النص أو السلوك , وأمامي جملة من الدراسات النقدية التي يغيب عنها مثل هذا التوجه المهم , والتي تسير في خط أفقي في تحليلها للنصوص , فضلا عن الغياب المطلق للواقع في جدليته مع التاريخ صعودا ونزولا , ولست هنا أفرض حكما قيميا على مجمل الدراسات , ولكن سياقنا الثقافي من خلال نشاطه الإعلامي والمنبري والمؤسساتي والأكاديمي , جميعها تضعنا أمام إشكالية البحث عن سؤال نقدي حقيقي , وربما مقاربة بعض هذه الدراسات يضعنا على العتبة !.. mohmed_z@hotmail.com