حسن السبع
يبدو أن للتاريخ سطوته، وللغابة مخالبها وأنيابها ومنطقها الخاص، وللرمز رغم قدمه حضوره، وللذاكرة شِراكا يصعب الفكاك منها. ولهذا تتشابه الأمور عند بعضهم فلا يستطيع التمييز بين الخنجر والوردة، أو بين أريج الوردة وشوكها. ولهذا، أيضا، يزج العنف بنفسه حتى في مظاهر الفرح، فيطرب بعضهم عند سماع أصوات الأعيرة النارية أكثر من طربه عند سماع لحن قيثارة، أو خرير ينبوع ماء، أو تغريد طائر. قبل أيام نشرت (اليوم) خبرا عن عرس بمحافظة الجيزة تحول إلى مأتم بعد إطلاق أحد المدعوين أعيرةً نارية من بندقيته الآلية تحية للعروسين، وابتهاجا بالمناسبة السعيدة. استقرت الطلقات في قلب العريس وأحد الجيران وماتا في الحال. كانت تلك طريقة من طرق التعبير عن الفرح. جاء الرجل إلى الحفل حاملا بندقية، وكأنه ذاهب إلى أرض المعركة لملاقاة الأعداء. وفي بيئة ثقافية أخرى قد يحضر المدعو إلى الحفل حاملا هدية أو باقة من الورود بدلا من بندقية محشوة بالبارود. هنالك، إذن، طرق كثيرة للتعبير عن الفرح والحب والاختلاف والاعتراض. وقبل أسابيع أراد البريطانيون التعبير عن التعاطف مع فقراء العالم والاحتجاج على الهوة المعيشية التي تفصل بين بلدان الشمال والجنوب، فحشدوا الآلاف في الميادين والساحات، وسخّروا الفن لإسماع أصواتهم وإبلاغ مطالبهم إلى صناع القرار في الدول الغنية، ومن تلك المطالب إلغاء ديون البلدان الفقيرة في القارة الأفريقية تحديدا، وكان ذلك بديلا متحضرا عن الصراخ والهتافات التي غالبا ما تنتهي في البلاد العربية إلى تخريب الممتلكات وإشعال الإطارات وتحطيم الواجهات، وفي بعض الحالات إلى إزهاق الأرواح أثناء المصادمات. وقد طرح الدكتور أحمد الربعي في جريدة (الشرق الأوسط) وفي سياق تعليقه على ما حدث هذا السؤال الجميل: "الغناء يجعل العالم أكثر حميمية، ويجعل الكون أصغر وأجمل، وهو بالتأكيد أكثر تأثيرا من العنف والزعيق. فهل نحن أمام ثورة جديدة وقودها الأصوات الجميلة والآلات الموسيقية بدلا من الرصاص والغاز المسيل للدموع؟".يتم استعراض القوة أحيانا كمظهر من مظاهر الفروسية والرجولة والبطولة. وكأنَّ الفروسية والبطولة صفات جسدية خالصة. الفروسية ليست كذلك، إنها مجموعة قيم جمالية وأخلاقية. ومن هذه القيم الأمانة والصدق والوفاء وعزة النفس والإيثار والموضوعية والترفع عن كل ما ينقص المروءة. فإذا أردتَ أن تتصور قيماً مناقضة لهذه القيم الخلاقة كل التناقض فلستَ بحاجة إلى استخدام الخيال هذه الأيام. عليك فقط أن تشاهد إحدى نشرات الأخبار المكتظة بالدمار، وستجد ذلك العابر البريء الآمن المفعم بحب الحياة، المنتشي صباحا بشروق الشمس، وتغريد العصافير على الأشجار، وبقطرات الندى الربيعي على الأوراق، وبتفتح الورود على سياج حديقة، وبصوت فيروز الحريري يتسلل من مقهى على الرصيف، وبالأحلام الصغيرة التي يعمل ذلك العابر على تحقيقها بنزاهة وقناعة.. ثم، وبشكل مأساوي مفاجئ، يفقد ذلك العابر الحالم وغيره الحياة في لحظة عبثية على يد مريض مختل التفكير مسكون بشهوة العنف والقتل. أين هي أخلاق الفروسية في ذلك العمل العبثي؟ قد تقرأ أدبيات الشطار والعيارين ومحترفي الفتوة، فتجد لهم نصيبا من بعض أخلاق وخصال الفرسان، وهو ما لا تجده عند شطار وفتوة هذه الأيام الذين يملأون الأرض عنفا وإرهابا.يد تبني وأخرى تهدم! وعلى النقيض من تلك الرغبة في القتل، وضع مؤخرا باحثون من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج بالولايات المتحدة الأمريكية تصورا لقنبلة ذكية تفجر الخلايا السرطانية هي عبارة عن عبوة ناسفة لإنقاذ حياة المرضى بالسرطان. وشتان بين زرع عبوة للإحياء والتعمير، وأخرى للقتل والتدمير!وبخلاف مرضى الأهواء المؤدلجة الذين لم يخلِّفوا وراءهم إلا الدمار، ترك لنا مجانين الأهواء الكبرى إرثا فنيا جميلا. وهذا هو الفرق بين الحب والكراهية، وبين الجنون المبدع والبلاهة. أحب الإمبراطور الهندي شاه جاهان الجميلة أرجماند حبا جنونيا. وكان عشقا إمبراطوريا مهيبا أنجب من الأبناء أربعة عشر بين ذكر وأنثى، وأثناء وضع المولود الرابع عشر غيَّب الموت أرجماند الجميلة. وبقي لنا من هذه القصة الغرامية (تاج محل) تلك الرائعة الفنية المعمارية التي بناها الإمبراطور تخليدا لذكرى زوجته. شتان بين الهدم والبناء! وبين ذاك التخريب الذي أحدثته حبيبة الكاتب بلزاك وبقية أشكال التخريب العبثية الأخرى. يخاطب الكاتب الفرنسي حبيبته "المخرّبة" قائلا: "انظري خلال التخريب الذي تحدثينه في منزلي المسكين، في رأسي، في قلبي، تعرفي إلى أي حد أنت الألم من غير عمد، السرور الدائم حتى في الألم، الفن، السعادة، الرجاء، كل الأمور الإنسانية والجميلة"! فيا له من تخريب يذكرك بما قاله شاعر ذات أمسية شعرية: "لا أدخل حقول السكَّر مع أية قبَّرة، لا أدخلها إلا مع واحدة تستطيع أن تنسفني"! ما الذي تبقى من ذلك التخريب الجميل الذي لحق بمنزل ورأس وقلب بلزاك؟ لقد بقيت آثاره وروائعه الإبداعية شاهدة على سحر الشوق وقدراته العجائبية. الحديث ذو شجون! وفي هذا السّجال بين الضوء والعتمة هنالك من يحرق الأخضر واليابس، وهنالك من يكافح التصحر. هنالك من يصادر الحياة، وهنالك من يناهض قطع الأشجار ويدعو للمحافظة على البيئة. هنالك من يموت من أجل تقدم المعرفة وخدمة الحياة البشرية، وهنالك من يموت من أجل الوهم. وعند الحديث عن لغة الورود ولغة البارود لا يملك المرء إلا أن يلتفت بحب وإعجاب إلى الأسماء التي أحبت الحياة وكرَّست عمرها وجهودها لمشروع الحب الكبير. ترك لنا فرسان الأهواء الكبرى حكايات رائعة عن عشق الأرض وسكانها تؤكد لنا أن هناك من يتشبث بقيم الحياة الجميلة، ومن يرى في الحب هجوما مضادا لنزعات العنف والتحامل والكراهية المقيتة.