د. محمد حامد الغامدي
كعرب وجدنا أنفسنا في خانة المتفرج العالمي.. وعندنا كل شيء للفرجة.. ونتفرج أيضا على أنفسنا وعلى بعضنا البعض.. نضحك ونبكي.. هكذا نعيش المتناقضات.. في دوامة حياة مرسومة لنا بعناية.. ولا ندري ما الغد العربي.. ورغم ذلك، يظل هناك الكثير من الحكايات والمشاهد في هذه الحياة العربية. @ ذهب إلى المطار.. وقف أمام إحدى البوابات.. ينظر ويتأمل في حقائب المسافرين، وفي ألوان جلدتهم ولباسهم.. يتأمل أيضا في سياراتهم، وفي أحذيتهم.. ظل يحدق في خطواتهم، يسأل: إلى أين هم ذاهبون؟ @ اكثر الأوقات فرحا وتساؤلا، عندما يبشر أحدنا بقدوم أول مولود.. اصبح أبا، عندها يسأل: أي مستقبل ينتظر هذا المولود؟ وتأتي الأجوبة محيرة.. يظل في حيرته مدى الحياة. @ تجمع الناس يحتفلون بزواج أحدهم.. حضر العريس فرحا مسرورا.. هب الجميع نحوه يباركون.. تناولوا العشاء.. تفرق الناس.. بقي العريس وحده، يواجه مصير هذا الزواج. @ على الشاطئ يجد البعض ذاته.. ينظر إلى الماء الذي لا نهاية لمداده.. رؤوس على الشاطئ، كلها صناديق سرية.. تسأل: ولا تجد الجواب.. الصمت أحيانا لغة للحوار. @ كهل يحمل مؤشرات نهاية الأعمار.. لماذا أنت هنا؟ أجاب: أتأمل تاريخ هذا البحر.. وماذا وجدت فيه؟ أجاب: وجدت فيه تاريخ أمتي.. قلت أي تاريخ تراه؟ قال: كل العرب قصة واحدة.. لها عناوين مختلفة. @ في غياب القيم، يتحول البعض إلى وحش كاسر.. هل قابلت وحشا بشريا؟ هل رأيت ضحايا لمثل هذا الوحش؟ في غياب القيم، يعيش البعض على أجساد البعض الآخر.. تستمر قصة الوحش في عالم القوي والضعيف.. عالم الوحوش البشرية. @لا تسأل، ولكن تأمل.. في الشوارع تعرف قصة الأشياء.. تعرف أيضا قصة الإنسان.. وتعرف مفاهيم الحياة.. الشوارع رواية كبيرة، لها أبطال.. الشوارع بحر عملاق.. هل تعرف السباحة في هذا البحر؟ لا تهم الإجابة.. في الشارع يتآكل السؤال. @ ينام في دكانه على بضاعة مكدسة.. وقد تكوم كل شيء فيه، مثل بضاعته العتيقة.. يخرج الهواء ويدخل إلى جسمه، محملا بروائح البضاعة العتيقة.. غيب الموت كل زبائنه.. بقي وحده ينتظر اللحاق بهم.. ولكن، من لتلك البضاعة بعده؟ @ يتنقل بين قنواته.. يصاب بحالة من الحيرة.. مشاهد لا يدري كيف يديرها.. قصص تعبر أمامه، وتاريخ يتم نقله إليه بعناية.. يتوجه إلى الإعلان.. يتابع الألوان والأجساد والبضاعة.. يخرج من بيته مهرولا إلى اقرب دكان.. عندها يكتشف، انه نسي نفسه في البيت. @خرج إلى الصحراء، يحلم بنوم هادئ.. افترش التراب.. مد جسمه على الأرض.. نظر إلى السماء.. رأى النجوم.. تأملها ونام.. فجأة، قام مذعورا على صوت طائرة في السماء.. بقي ساهرا يحصي ضحايا قوتها وبأسها.. في تلك الليلة، لم يسجل التاريخ انه كان أحد ضحاياها. @ دعا الله مخلصا لما نوى، ثم نام.. قام صباحا، دعا الله مخلصا لما نوى، وذهب في سبيل يومه.. انتصف النهار، دعا الله مخلصا لما نوى، رجع إلى البيت.. مع أول خطواته إلى داره، قابلته زوجته تصيح: الخادمة هربت.. دعا الله مخلصا لما نوى، خرج ولم يعد . @ تسلق النخلة.. شاهد المكان من علو النخلة.. صاح، يا هذه الدنيا تحركي.. صاح، يا هذه النخلة تمددي.. مر عصفور مغرد بجانبه.. أمعن النظر، تأمل الجناح والمنقار.. أخيرا، عرف أن العصفور لا يلبس الحذاء . @ نظر إلى المصباح، تأمله قليلا.. نظر إلى نفسه والى يديه ورجليه.. قام يمشي، مد يديه إلى جدار بيته، دفعه، لم يتحرك الجدار.. اهتدى إلى مفتاح المصباح المغروس بعناية في الجدار، حركه بأصابعه الصغيرة، توهج المصباح. @ ساعده صمته على الاستماع، ساعده على الاستيعاب، وساعده على الفهم.. ظل في صمته يسجل للأشياء قيمتها، يرصد لها المحاسن والمنافع.. مر به العمر صامتا.. مات.. لم يعرفه أحد ولم تُعرف له منفعة.. نسي العالم فضل الصمت.. بقي العرب يقدسون هذا الفضل. @ شاهد سقوط بغداد، قال: هذا احتلال.. شاهد تدمير الفلوجة، قال: هذه إبادة.. شاهد فوز (بوش)، قال: هذه مصيبة.. شاهد إعدام جريح مسجد الفلوجة، قال: هذا أخي.. نظر إلى نفسه وإمكانياته، قال: العار يأتي في وجود أمثالي. @ قصة النار لا تكتمل إلا بوجود خسارة، أو منفعة.. عندما يتحول الحديد إلى نار، ندرك أن قصة النار مثيرة.. في الشتاء نتجمع حول النار ولا نسأل عن المصدر.. في الحروب، يطفو السؤال وتكثر الإجابات.. ننسى، أن للحب نارا. @ طاف أرجاء المدينة في يوم ممطر.. لكنه بقي جافا.. لم يبلله ماء المطر.. ببساطة.. كان خلف مقود سيارته. mgh7m@yahoo.com