محمد الحرز
في كتابه ( الغرب المتخيل صور الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط ) والصادر من المركز الثقافي العربي ، يحاول الباحث محمد نور الدين أفاية ، معالجة سؤال الهوية والأخلاق أو الأنا ( العربي الإسلامي ) والآخر ( العربي المسيحي ) انطلاقاً من معطيات معرفية تعتمد بالأساس على فلسفة المتخيل أو الصورة, وهي فلسفة طالما ظلت حبسية الهامش من ديكارت إلى هيجل حتى استعادت موقعيتها وحضورها في الفكر ما بعد الحداثي بدءاً من التيار الفينومولوجي حتى أصبحت تشكل بعداً معرفياً لا يمكن القفز عليه أو تغافله, خصوصاً في الدراسات السسيولوجية أو المثيولوجية أو الأثنوسيكولوجيا أو الدراسات البوطيقية وتفرعاتها المختلفة. وقد أعطى الباحث في البداية صورة بانورامية عن أهمية هذه الفلسفة وما تفرزه من معرفة تذهب إلى حد بعيد في الكشف عن مجمل تصوراتها الإدراكية والرمزية والاستيهامية داخل الوعي الجمعي , فهي تصورات ينبغي وضعها موضع الأهمية والحسبان في كل مقاربة ثقافية اجتماعية بين طرفين ثقافيين مختلفين .من هذا المنطلق يحسب الباحث أن الحديث عن الهوية والأخلاق والإسلام والنصرانية والعرب والغرب.. الخ موضوعات لا يكفي للاقتراب منها انتهاج أساليب عقلانية دقيقة فحسب, إنما استدعاء أدوات أخرى للفهم والتحليل تبدو ضرورية لاقتراح فهم أكبر لقضايا تتداخل فيهما مستويات لا تستجيب دائماً لمقتضيات الضبط العقلي " وهو بهذا يضع رؤية معرفية أنزياحية تتموضع خارج سياق الدراسات التي تناولت الفكر الإسلامي وعلاقته بالغرب المسيحي ضمن إطار المنطق العقلاني الصارم. وبجردة بسيطة يستعرض بعض الأعمال أو المشاريع الفكرية التي تمثل هذا التيار بامتياز, فمن بعضها مثلاً علي أو مليل في كتابه ( شرعية الأخلاق ) وكذلك عزير العظمة في بحثه عن ( العرب والبرابرة المسلمون والحضارات الأخرى ) وايضاً خالد زيادة في ( تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا ) وكذلك صاحب مشروع الاستغراب حسن حنفي ، عدا بعض المستشرقين الذين لهم حضورهم القوي في هذا الجانب ,ويخلص بعد ذلك إلى أن هذه الأعمال قد اهتمت ( بكيفية بارزة بالجوانب التأريخية أكثر مما عملت على استجلاء عناصر النظر إلى الآخر,كما أن الدراسات التي أنجزت قصد تلمس بعض مظاهر التسامح والاقرار بالاختلاف والتعدد في الكتابات العربية الوسيطة , انشغلت بالاعتبارات الايديولوجية والسياسية أكثر مما استنطقت النظام الرمزي المؤسس لنمط إدراك الآخر. قد نجد إشارات هنا وهناك واهتماماً جزئياً بأهمية الصور والأحكام والمواقف من الثقافات الأخرى في هذا الكتاب أو ذاك لكن أن نعثر على عمل يتناول صور الآخر من زاوية الأسئلة التي يطرحها الفكر على صيرورة الذات والآخر في العلاقة بين الإسلام والغرب الأوروبي فذلك مالم يقترحه علينا تطور البحث حتى الآن .وارتكازاً على هذه الرؤية النقدية يتوسل المؤلف ممارسة نقدية تقارب آليات الاشتغال داخل الفكر العربي الإسلامي, هذه الآليات التي تنتج عملية التمثل : تمثل الآخر الأوروبي, وما يحرك هذا التمثل من مخيلة مازالت تتغذى على الرأسمال الرمزي والوجداني القديم, وهي عوامل لا تخضع بالضرورة لقوانين ثابتة في التاريخ, أي أنها عوامل لاتنكشف أمام الباحث إلا بعملية إزاحية للأحكام والآراء الجاهزة عن الآخر في مجمل الكتابات داخل التراث العربي الإسلامي, وهي مهمة تفضي بالتالي إلى إرادة معرفية للفهم تتجاوز السطح, وتذهب إلى العمق بحيث تصبح مفاهيم من قبيل الهوية والاختلاف ، التسامح إزاء الآخر, التثاقف المقدس, الاعتقاد والرمز, كلها خاضعة للفهم والإدراك المعمقين وبمنظور ثقافي تماماً .بهذا الجهاز الأدواتي والمنظور المعرفي يقسم المؤلف بحثه إلى أبواب ثلاثة هي على التوالي : ( مرجعيات النظر العربي الإسلامي للآخر ) ، ( في تكون الصور النمطية عن الآخر ... الظاهرة الصليبية والاندفاعة الجهادية ) ، ( معرفة الآخر : حدود والتباسات ) . فيما يخص الباب الأول في القرآن الكريم والخطاب النبوي الشريف ، يمثلان مرجعية متأصلة في الوجدان الإسلامي في مسألة النظر إلى الآخر ، أو الغير الخارج حدود معطيات الأنا ، وعلى خلفية هذه الحقيقة ، يخلص المؤلف إلى القول : ان الرؤية القرآنية للآخر تتحدد في المتخيل الديني العام على أساس وحدة الإنتماء الانساني والعقائدي من جهة ، وعلى قاعدة التمايز والاختلاف من جهة أخرى : هكذا يقر القرآن الكريم بالاختلافات العرقية واللسانية والاجتماعية وكذا بالدين والرأي وهو إذ يؤكد على هذا المبدأ فاللدعوة إلى التواصل والتعارف بكل ما يفترض ذلك من نبذ للتعصب ولإرادة الإلغاء .وهي رؤية قرآنية ديناميكية متحركة بإتجاه الماضي والمستقبل ، وذات أبعاد إيجابية تتجاوز القطب الواحد والتفكير الأحادي ، وإذ يعطي القرآن الكريم أهل الكتاب الحق في اختلافهم الديني ، فإنه فرق بين اليهود والنصارى ، ولم يخلط فيهم بين الكافر والمؤمن ، ( ودعا إلى محاربة الكافر ، وأقر للمؤمن بشرعية اختلافه الديني مع الإسلام ) وقد مثلت هذه الرؤية القرآنية الحالات الأولى لمشهدية الاختلاف في الوعي الإسلامي البدئي ، وذلك في مرحلتيه المكية والمدنية ، يوم كان مفهوم الاختلاف يقتصر على أهل الكتاب من يهود ونصارى داخل يثرب ، ولكن اتساع الرقعة الجغرافية للإسلام عبر الفتوحات للبلدان والشعوب المختلفة ، فرض على الوعي الإسلامي وضعية مختلفةً - تماماً - عن السابق ، فإذا كان القرآن الكريم هو المرجع الأساس في النظرة إلى الآخر / الكتابي ، فإن ( السيرورة التاريخية للإسلام اقتضت من المسلمين إيجاد آليات مبتكرة لإدارة الاختلاف ، الذي ما انفك الفاتحون يواجهونه في عمليات اختراقهم للفضاءات والثقافات الجديدة التي اخضعوها للجغرافية الإسلامية ) وعلى أثر ذلك تبرز على السطح ظاهرة (الذمي ) بوصفه ذلك الآخر المغايظ ، وضمن هذا السياق يتساءل المؤلف عن الكيفية التي تم التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها كذلك !؟ ويخلص بعد تحليل مسهب للواقع التاريخي ، إلى أن ثمة رؤية إنزياحية - نوعاً ما - حدثت في التعامل معه ، أملتها شروط الوضع التاريخي - المعرفي الجديد الذي تشكل داخل الوعي الإسلامي .وبناء على هذا الوضع صدر المؤلف تحليله بالسؤال التالي : كيف فكر المسلمون في الاختلاف الديني !؟ وما الصور التي انتجوها عن الآخر !؟ وفي سياق إجابته يأتي بالجاحظ كأبرز مثال فكري في تاريخ العصر الوسيط ، استطاع أن يقدم رؤية عن الآخر / الذمي تحت ضغط الصراع الجدلي الكلامي القائم آنذاك - والذي يميز هذه الرؤية - حسب افاية - ليس فقط جانب الاختلاف الديني - وإنما تعدى ذلك - إلى ملاحظات إنثروبولوجية وأخلاقية حيث " أصبحت النظرة إلى النصراني مع الجاحظ لا تقتصر على اعتقادات وموضوعات إيمانه - وإنما شملت نمط عيشه وطقوسه وسلوكياته ، ولباسه وزواجه ، أي امتدت لتكشف من تفاصيل حياته وثقافته " .وهذه ملاحظات امتزجت فيها السلبية بالإيجابية ، والأهم من ذلك - كما يرى المؤلف - أن هذه الملاحظات لم تحركها اعتبارات دينية محضة ، وإنما إرادة المعرفة والفهم من خلال الممارسة الثقافية والمعرفية.mohmed_z@hotmail.com