د. محمد حامد الغامدي

د. محمد حامد الغامدي

كل العرب يعرفون عمتهم النخلة.. ويتواصلون معها من خلال تمرها الشهير.. والنخلة العربية كأرضها وناسها تواجه الكثير من المشاكل إلى حد تهديد المصير.. وتواجه أيضا طوفان الحضارة الغربية.. ولها أعداء في كل مكان.. وهناك خلاف قائم بين العرب على أهميتها.. وفي الحروب العربية قدمت هي الأخرى الكثير من التضحيات.تعرضت النخلة لحرب إبادة في كثير من (الحروب) العربية.. وخير شاهد على ذلك نخيل (البصرة) العريق.. وتعرضت للسطو والتهجير قسرا إلى بلدان أخرى.. وتم ترحيل الكثير منها خارج الأوطان كهدايا ومنح.. وبعضها تم إهماله للموت.. لتتحول أراضيه إلى مشاريع اكثر وسامة وثراء ومكانة.. وهناك أيضا نخيل (سائب) بدون هوية في الصحاري وعلى الشواطئ العربية.. ورغم كل ذلك تجد نخيلا (مدجّنة) تعاني تخمة الاهتمام والعناية.. هكذا نخيل العرب مثلهم في كل شيء.@@@ وفي زمن الخلافات العربية الغربية.. كان للنخلة نصيب الأسد من حوار (الطرشان).. فالعرب يعتبرون تمرها غذاء أساسيا.. والغرب يصر على أنه فاكهة.. وكنت طفلا.. كبرت على رؤية أشجار (الطلح والعرعر).. لم يكن للنخل وجود حولي في بلاد أهلي في مدرجات الرجولة والمعاناة على سفوح الجبال التي ندعي أنها جميلة وخلابة.. كانت النخلة غائبة كشجرة.. ولأن بلاد غامد باردة وجبالها شاهقة.. أودت بقدرة النخلة على الإثمار في ربوع بلادها.. وكنتيجة تجاهلوا زراعتها.@@@ وكنا صغارا.. والناس في طريقها إلى سوق (السبت) الأسبوعي الشهير في بلجرشي (رحم الله أيامه).. كنا نجلس على جنبات الطريق نستقبل الصادرين منه ظهرا.. وهم على ظهور (حميرهم) البيضاء التي تضاهي في أهميتها اليوم سيارات النخبة.. ولها علامات تميزها.. وكان السجاد العجمي يُفرش على ظهورها كدليل الغنى والوجاهة.. وفي جلسة الانتظار تلك كان البعض منهم يقدم لنا التمر الذي تعودنا على أكله بكثرة كل يوم سبت.. لكن الأمر الجميل الذي نترقبه في كل موسم.. هو البلح.. الذي يبهرنا بحباته الطوال ونقاء لونه الذي يميل إلى الصفرة.. هكذا (تولعت) كغيري من الأطفال بأكل بلح (بيشة والعقيق).@@@وللتمر قصة في بلاد غامد.. فهو ثمين لدرجة انه يكنز في صناديق خاصة.. ومكان خاص من البيت.. ليتم تقديمه مع دلال القهوة.. ولابد أن تحلي (بؤك) بالعديد من حبات التمر مع القهوة العربية ومن (فنجالها) المعروف.. وبجانب التمر والقهوة.. تكتمل قصة الكرم بتقديم (طاسة) السمن الذي أنتجته الأيدي الماهرة في البيت.. ويتم انتزاع حبة التمر المرصوص فوق بعضه وغمسه في طاسة السمن.. وترفع بسرعة قبل أن يسيل ما علق في محيطها الخارجي من السمن.. والى الفم يتم حشرها بسمنها لتكتمل السعادة بطعم نادر.. وهكذا أيضا يتم تعفير الشارب واللحية الغامدية.. كجزء من (بروتوكولات) تناول حبات التمر في ديرة الأهل.. وبعدها يتم حمد الله.. وتشد الأحزمة على البطون وينصرف الناس إلى حقولهم لتفريغ طاقة التمر والسمن. @@@وكان التمر والسمن أحد علامات الكرم والجود في بلاد غامد وزهران.. على الأقل أيام طفولتي.. ونقاوم حاليا مثل هذه الأكلات بفعل نتائج السكري والكلسترول.. لانعدام حرق طاقة الجسم بعد أن أصبحت بلاد الحنطة مهجورة ومتصحرة.. ومال الجميع إلى نوم (القيلولة) الذي استمر معهم كعادة إلى يومنا.. وغاب التمر أيضا.. في ظل مد الشكولاته والمكسرات.. وبيوت الحلاوة المستوردة صنعا ونكهة.@@@وفي الأحساء وجدت عجب العجاب.. عندما شاهدت نخيلها أول وهلة.. سيطر علي الذهول.. وكنت احسب نفسي في حلم.. إلى أن عرفت أن الأمر حقيقي.. وتساءلت أي غنى وثروة لدى أهله؟.. ثم قدمت الدعوات لكل من اعرف للقدوم لواحة الاحساء لمشاهدة المعجزة.. وبدأت أنظم رحلات (سياحية) لمعارفي أطوف بهم في واحة الأحساء.. للاطلاع والتعرف على نخيلها الذي يغطي المكان ويكسوه باللون الأخضر على مد البصر.. ولكن الأمر الذي حيرني دهرا.. هو عدم ظهور التمر في مجالس أهلها.. وقلت عند العرب يتجلى الكرم في ندرة الشيء.@@@وفي هذا الزمن.. نجد أن البعض يستورد التمر من أمريكا.. كدليل أيضا على معاناة النخل من ظلم أهله.. ولكن المشهد الذي يحرك (صواميل) الرأس كان في أحد الأسواق المحلية.. حيث اشتريت علبة (مربى التمر) وكان مصنوعا لنا في سويسرا.. لم يستطع العرب تسويق أنفسهم.. وقد بلغ بهم العجز والفشل حدا تجاهلوا معه إقامة صناعات لتمرهم في دياره.. ومع كل هذا الإهمال والإحباط لنخلتهم عمدوا كنوع من الترضية.. بتحنيطها في الشوارع العربية ليتغذى بكل ملوثات الدنيا.. وهو تصرف أرى فيه نوعا من الإهانة التاريخية لهذه النخلة المجيدة.. ومع هذا بقينا كعادتنا وعبر بوابات عقلنا الباطني نردد في مجالسنا: النخل يطرح رطب.. ولله في خلقه العرب شؤون.mgh7m@yahoo.com