محمد الحرز

محمد الحرز

الدبلوماسية العربية لم تصنع حيال تفاقم واستفحال الإرهاب ما يجعلها قوة مؤثرة في محاربة هذا الوحش الضاري، ولم تستطع أن تمارس دورها سواء عبر مبعوثيها الدبلوماسيين أو سفرائها ووزرائها. لقد أبدت الجامعة العربية تفهما أقل في هذا الشأن، ولم تستطع حتى الآن أن تطرح البرامج أو الدراسات أو حتى تشكيل لجان فرعية على مستوى الوطن العربي تقوم بمهمة دراسة هذه الظاهرة من جميع جوانبها.وبالتالي طرح الحلول والاقتراحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافة، والتي يمكن أن تكون ملزمة للدول الأعضاء في الجامعة في حال تطبيقها على أرض الواقع. إن الأحداث الإرهابية التي تجري في العراق تعكس ضعف الدبلوماسية العربية في مساعدة العراقيين في احتواء هذه الظاهرة، وقد كان مقتل المبعوث الدبلوماسي المصري في العراق إيهاب الشريف على يد الإرهابيين زاد الطين بلة، وأظهر مدى تضعضع السياسة الدبلوماسية العربية إزاء العمليات الإرهابية التي تحصد أرواح الشعب العراقي الأبرياء، وأظهر كذلك العجز الواضح لتلك السياسة في اتخاذ القرارات الصعبة, والتي لا تقف عند حدود الاتفاقات الأمنية بين دول الجوار للعراق فقط وإنما تتعداها إلى الدعم الاقتصادي والإعلامي والثقافي. وقد يبدو هذا الدعم أضعف الحلقات التي تفتقدها حاليا الحرب على الإرهاب خصوصا في العراق الذي يمكن اعتباره ساحة المواجهة الصعبة ضد التطرف الفكري والإرهاب المسلح والجماعات التكفيرية للزرقاوي. وما أقصده بهذا الدعم يتمثل على سبيل المثال في إرسال الوفود الشعبية والرسمية من جميع أقطار الدول العربية كخطوة تشجيعية تحفز العراقيين وترفع من معنوياتهم إزاء ما يواجهونه من إرهاب منظم. وهذه الخطوة ينبغي أن تتم بالتنسيق بين الجامعة العربية ووزارات الدول العربية، وقد رأينا في فلسطين كيف كان دور المنظمات غير الحكومية وأثرها الواضح إعلاميا في الغرب، وذلك من خلال المئات من المتبرعين الذين يحضرون من الدول الأوروبية المختلفة إلى فلسطين لأجل مناصرة الشعب الفلسطيني في قضيته العادلة. إذن لماذا لا يبادر الشعب العربي بهذه الخطوة في العراق، وبمباركة رسمية من الحكومات ؟. قد يبدو هذا المقترح للكثيرين نوعا من الأحلام المفرطة التي لا تتجاوز سقف الحياة العربية، وتعلل الأكثرية ذلك بفشل الممارسة السياسية العربية في تخطي النظرة الضيقة التي تتحكم في مصالح الدول نفسها. وهي مصالح لا ترتبط بالضرورة بمصالح شعوبها، وإنما يكون هاجسها الأكبر هو تأمين الأمن والسيادة والسلطة، أليس هذا ما حدث منذ حرب الخليج الأولى إلى ما بعد الحادي عشر من سبتمبر ؟. لقد أدى هذا الفشل إلى بروز جملة من الأمور نوجزها فيما يلي : أولا : عجز الدبلوماسية العربية عن فرض حضورها على الرأي العام العالمي، وذلك فيما يخص القضايا المتعلقة بالإرهاب، أي لم نر للخطاب الدبلوماسي حول الإرهاب فاعلية تذكر في استقطاب الإعلام العالمي. بالطبع لهذا العجز أسباب أخرى لسنا الآن في محل استعراضها. ثانيا : فقدان العمل الدبلوماسي للرؤية المستقبلية التي تتسم خططها بالانفتاح على العمل الثقافي بوصفه عملا يتصدى لمظاهر الإرهاب والعنف بصورة أكثر عقلانية وأكثر تنظيما. ثالثا: ابتعاد هذه الدبلوماسية عن الاستشعار بمكامن الخطر المتمثل بتزايد العمليات الإرهابية في العالم، ولذلك نجد أن ردود الأفعال لا ترقى إلى مستوى الجريمة، بل هي أقرب إلى التنديد والاستنكار لا غير. الأمر الذي يفضي بنا للقول : إن الصمت المطبق حيال ما يجري في العراق مرده تلك الأسباب التي أشرنا إليها سابقا، والتي ليست سوى محصلة لمرحلة تاريخية تراكمت داخلها عوامل التخلف والاستبداد وفقدان الحرية وقلة الوعي السياسي في مجال العمل الديمقراطي وحقوق الإنسان. والخطورة التي أراها إزاء هذا الصمت تتجاوز حدود العراق إلى باقي دول المنطقة العربية، فإذا كانت بوادر الحرب الأهلية في العراق أطلت برأسها كما يقول بعض مسؤوليها، فإن عواقب هذه الحرب سوف تطال المنطقة برمتها، بل سوف تصبح المنطقة في فوضى ليست سياسية، وإنما ستطال الحياة الاجتماعية على اختلاف مرجعياتها الإثنية والقبلية والطائفية، وبالتالي يصعب فرض الاستقرار من خلال العمل الدبلوماسي السياسي. ان ما ينبغي التأكيد عليه هنا هو أن التفجير الإرهابي الذي هز منطقة المسيب في العراق والذي راح ضحيته قرابة المئة، وما سبقه من تفجير راح ضحيته مجموعة من الأطفال، وكذلك التفجيرات التي حدثت مؤخرا في لندن، وما سبقه كذلك من تفجيرات مدريد وبالي، ليست سوى نتاج العقلية التدميرية للإرهاب والتي تدير حربها على العالم من خلال كراهيتها الشديدة للحياة البشرية، واستخفافها بإرادة الحياة نفسها. هذه العقلية تثير الصدمة في قلب القيم الحضارية الحديثة. عندما سئل المفكر الفرنسي ادغار موران : اليوم هناك حرب لها سمات حرب عالمية تدور رحاها ضد الإرهاب شرقا وغربا خصوصا في آسيا الإسلامية. هل ستغير هذه الحرب المفاهيم وخرائط الدول في مناطقنا كما غيرت الحروب الكبرى حدود أوروبا ومفاهيم الدول وشؤون الحكم ؟ فقد أجاب: صحيح ينبغي التفكير في التحولات الكبرى التي أعقبت الحربين العالميتين في القرن الماضي والتي كانت نتائج لهاتين الحربين المدمرتين تحولات بطيئة لكنها أخذت مستويات عالمية. فالحربان مستا مصائر ملايين من البشر مدنيين وعسكريين. ما يحدث اليوم له طابع يختلف كليا عن سياقات الحرب العالمية الثانية مثلا، ولا يعرف أحد المسار الذي ستتخذه الحرب على الإرهاب هذه ؟ ما الذي يبذره واقع اليوم ؟ الأمر يبدو مثل صخرة تنحت وجوهها بطرق مختلفة. من جهة هناك ما يمكن أن نسميه الحرب الدينية حيث قوى إسلامية أصولية ترفع راية تحد كبير موجهة أولا وفي شكل خاص ضد الغرب ذوي الغالبية المسيحية، وفي الوقت نفسه ضد الأنظمة الحالية التي تحكم في العالم الإسلامي، وكذلك ضد القوة الأكثر هيمنة اليوم في العالم ممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية. إن ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى في كلام المفكر الفرنسي هو تفرد هذه الحرب عن غيرها من الحروب الكبرى والتي يصعب كما يشير أغلب المختصين مواجهتها بالوسائل الحربية التقليدية أو باستخدام العنف المضاد. إن أهم مواجهة يمكن أن يتخذها العالم في سياق حربه على الإرهاب هو بذر فكرة السلام من خلال التعددية الثقافية كما يشير إلى ذلك المفكر نفسه. ولكن السؤال يظل عالقا في الذهن : هل يمكن أن تنشأ فكرة السلام من خلال التعدد الثقافي في أوطاننا العربية بينما لم نزل لا نفرق بين الثقافة والدين والتاريخ الرمزي للمقدس، وذلك حياتنا العربية العامة ؟. لا أتصور ذلك !!.mohmed_z@hotmail.com