مطلق العنزي
التخصيص، وبيع الملكيات العامة إلى السوق، ليست مجرد خيار آخر لإدارة الموارد فقط، ولكنها أصبحت أيديولوجيا، عقيدة إدارية، تروج لها الرأسمالية، والشركات العابرة للقارات التي تعادي كل ما هو حكومي وتروج لإشاعة أن الحكومة تاجر فاشل، وإداري بيروقراطي فاسد. وفي ذلك بعض من "الصحة"، ولكنه ليس بريئاً من هوس أيديولوجيا التخصيص. وليس بريئاً من مصالح الشركات الكبرى.ولكن ذلك لا يعني أن كل إدارة حكومية فاشلة إذا تم إصلاح البيئة الإدارية بشكل محترف. وقد أصبت بالدهشة والخشية، لأن وزارة الصحة تدرس حالياً تخصيص المستشفيات الحكومية. ويتحدث المسئولون في الوزارة، وعلى رأسهم الوزير الدكتور حمد المانع، عن التخصيص، وأنه سوف يرفع الجودة، وكفاءة الأداء و"تقديم خدمة صحية مميزة للمواطنين". وطبعاً هذه الحجة الدائمة التي يوردها "التخصيصيون" الذين عادة يوالون الشركات أو يتوافقون مع عقيدتها الإدارية، فهم يعطون دائماً صورة وردية ومثالية لأداء السوق ويصورون "الشركة" على أنها آخر عصارات الفكر الإداري.ورغم كل ما يمكن أن يقوله هؤلاء عن محاسن التخصيص، إلا أن جعل صحة الناس تحت رحمة مزايدات السوق، فهو تفكير يقترب من اللهب. إضافة إلى أن السوق الذي تفكر وزارة الصحة بتسليمه مصائر المواطنين، هو سوق يحبو ولا يزال ينشيء آلياته، ويبدأ ثقافة أعمال مبتدئة. كما أنه سوق لم يستطع السيطرة على كثير من التجاوزات. والتجاوزات في سوق الأسهم خير دليل على ذلك.وأنا من الناس الذين يؤمنون كثيراً بأن الحكومة وإن كانت بطيئة وإن كانت البيروقراطية تكبل أعمالها بالتواقيع والبنود، فهي الأم الحنون، خاصة في موضوع يتعلق بالصحة ومصائر الناس وأطفالهم.وفرق بين مستشفى (حكومي) يؤمن العاملون فيه بأن عليهم، أولاً، خدمة المريض، فهم معنيون به في كل الأحوال والحالات، وبين مستشفى (خاص) يؤمن العاملون فيه بأن، أولاً، على المريض أن يدفع ثم يكونون معنيون برعايته. فالمستشفى الأول يهتم في آخر اليوم بـ "كم مريض قد عالج". بينما الثاني يهتم في آخر اليوم بـ "كم جنى من المرضى".. ويجب أن تعترف الوزارة بأن إمكاناتها الرقابية والمثل الإدارية السائدة لم تبلغ حداً يمكننا من الاطمئنان بأنها ستتمكن من السيطرة على "سوق الصحة" الضخم، لكي لا يتحول إلى فوضى ضخمة تضطر الدولة لتأميم المنشآت الصحية مجدداً.وسوق الصحة في العالم المتقدم يعاني كثيرا من الفوضى والتدليسات، حتى أن محامين يطرقون غرف المرضى لسؤالهم عما إذا كانوا ينوون رفع شكاو ضد "السوق". وتريبدو أن اناسا كلما أوغلوا في مظاهر التقوى و"الوعظ" بأن "هذه الدنيا فانية"، أغمسوا أيديهم فيها بـ"الخمس"، قبل أن تفنى..!!