محمد الحرز
لا أتصور أننا أمام صورة واضحة للعيان عن مستقبل المثقف السعودي , الضبابية تعلو المشهد , ولا يمكن إصدار الرأي حول مجمل القضايا التي تمس هذا المثقف من بعيد , أو من قريب , بسبب عوامل عدة أبرزها على الإطلاق انحسار مفهوم الثقافة بالمعنى الانثروبولوجي في أذهان المشتغلين بها , واقتصارها عندهم على الجوانب الأدبية الإبداعية فقط وغالبا ما تقتصر نظرتهم الاختزالية للثقافة على دراسة النصوص الإبداعية نقدا وتشريحا وتفسيرا , لكنهم لم يحاولوا أن ينزاحوا قليلا عن النص الجمالي , كي يوسعوا من مفهومهم عن الثقافة , ويوسعوا تبعا لذلك من وظيفة المثقف , الأمر الذي حدا بواحد من المثقفين السعوديين , ألا وهو الغذامي أن يأخذ على النقاد المشتغلين بالنص الجمالي تقوقعهم حول النص دون محاولة الخروج من شرنقته , والتوجه إلى مجمل القضايا الأكثر أهمية عند غالبية المجتمع , ولهذا رأيناه كيف أسس لما يسميه بالنقد الثقافي . ربما نتفق أو نختلف مع الغذامي , لكنه استطاع أن يوسع من مفهومه للثقافة , وأن يطور بذلك من أدواته المعرفية , والأهم من ذلك استطاع في مجمل اشتغالاته أن يسلط الضوء على القضايا التي تؤثر في المجتمع , وبالتالي فإن محاولته هذه تهدف فيما تهدف إليه السعي إلى تأسيس قاعدة تنبني فوقها علاقة قوية تجمع بين طرفين لطالما كنا نعاني تنافرهما , وكذلك ابتعاد أحدهما عن الآخر , ألا وهما المجتمع والثقافة . لقد نجح الغذامي نوعا ما في شد شريحة كبيرة من المجتمع إلى اشتغالاته , وذلك بسبب توجه المعرفة الثقافية عند المثقف بأدواتها إلى مجمل القضايا المحسوسة عند المجتمع , والتي يتلمسها الفرد العادي في حياته اليومية . ولكن رغم ما حققه الغذامي على هذا الصعيد , إلا أن ذلك غير كاف على الإطلاق , فالثقافة ما زالت تعاني انحسارها المؤثر على شريحة كبيرة من الناس , والمؤسسات التي تقع على عاتقها نشر التربية الثقافية بين كافة فئات المجتمع , مازالت تعاني هي أيضا ضعفا في تركيبتها الثقافية , أي أنها كمؤسسة ثقافية ظلت منذ إنشائها على تصورات معينة عن الثقافة , حتى تحولت لاحقا إلى تصورات نمطية متخشبة لا تساير المتغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي مر بها المجتمع , بل ظلت كما هي لا تراوح مكانها , وأصبحت الثقافة لا تتجاوز حدود الأدب , أو لأقل ان الأدب في ذهنية هذه المؤسسة انحصر دوره فقط في الشعر والقصة ولاحقا جاءت الرواية , ولم يبحث له عن تصورات أخرى تربطه بالثقافة من بابها الأوسع , وتعيد وصله بقضايا المجتمع , كما هي الحال في المعاهد الأوروبية المعنية بالدراسات الإنسانية والثقافية داخل المجتمع . وهكذا فبدلا من أن تكون مؤسساتنا الثقافية الرسمية حلقة وصل بين الثقافة بمفهومها الشامل والمجتمع بجميع قضاياه وهمومه , فقد أصبحت تكرس ما أسميه بالثقافة البيروقراطية التي تفرز مثقفين طفيليين , ليس من هم لهم سوى الحصول على أعلى درجة في سلم المكانة الاجتماعية , أو الحصول على المنزلة الرفيعة عند أصحاب القرار الثقافي المؤسساتي أو السياسي . ولكن لا تجد عندهم الاشتغالات الثقافية الجادة التي ترتكز على البحث والتقصي والإطلاع على جميع صنوف المعرفة , أي لا أجد أن الثقافة عندهم تحولت إلى هم يومي مقلق , بل الثقافة أصبحت حالة نفعية لا أقل ولا أكثر . هذه هي حال الثقافة عندنا : نمطية في المفهوم , وضعف في الإنتاج . هل بعد ذلك يمكننا أن نتحدث عن مستقبل المثقف السعودي ؟ أنا هنا لا أحمل روح التشاؤم , ولكن الحقيقة مرة , وينبغي أن نتحملها جميعا حتى نستطيع أن نموضعها في سياقها الاجتماعي والثقافي , وبالتالي نبدأ في الحديث عن أزماتنا الثقافية دون أن تعلو أبصارنا غشاوة الفوضى والالتباس الذي أثر كثيرا على رؤيتنا إلى قضايانا الثقافية بحيث جعلنا نتخبط في الظلام ولا نجد خيطا واحدا يقودنا إلى حقيقة تلك الأزمات في خطاباتنا الثقافية .إن أهم التحديات التي تواجه ثقافتنا هو محاولة الخروج من شرنقة ضمور النقد بالمفهوم الفلسفي الاجتماعي , وبالتالي الخروج إلى فضاء أرحب حيث الممارسة النقدية ترتبط ارتباطا وثيقا بسياسات التنمية للبلد , وتكون الثقافة بالتالي استثمارا حقيقيا للإنسان , وليست مجرد مهنة خاصة تديرها نخبة من المثقفين . ولكن دعوني أسأل نفسي عن معنى النقد الذي أشير إليه هنا. ليس النقد في تصوري حالة طارئة على الفكر البشري , لقد تأسست النصوص المقدسة في الحالة الدينية الضاربة في القدم على رؤية نقدية لوضعية الإنسان والمجتمع والعالم والكون , وبالتالي أحدثت هذه الرؤية إزاحات على مستوى تنامي المعرفة عند الإنسان باتجاه صنع الحضارة الإنسانية , لذلك ارتفع مفهوم النقد عند أغلب الباحثين إلى مستوى الطبيعة البشرية , وذلك لشدة حرصهم على تبيان أهمية التفكير النقدي عند الإنسان وعلاقته في التأثير على تطور المعرفة لديه . علاوة على ذلك لم تتأسس الحضارة الحديثة الغربية إلا على نصوص نقدية شملت الكتب المقدسة ,وما يليها من خطابات فلسفية واجتماعية وسياسية وتربوية . لقد كانت الحساسية النقدية هي المؤسسة للثقافة الغربية بجميع فروعها على الإطلاق من الميتافيزيقيا حتى العلوم الدقيقة , من توما الأكويني وسبينوزا مرورا بديفيد هيوم إلى النزعة النقدية المزلزلة للأساس عند نتيشة . لقد تعلمنا من الحركة النقدية عند الغرب أن الفكر الخالي من الحساسية النقدية مآله الموت والضمور , بالضبط كما هي الحال عليه في فكرنا العربي الإسلامي في لحظته الراهنة . تأسيسا على هذه النظرة إلى النقد أجد نفسي منساقا إلى الاشتغالات النقدية بمفهومها الشامل , أي أن النقد عندي لا يرتبط فقط بالنص الجمالي الأدبي بالضرورة , وإنما يتجاوزه إلى توسيع هذا الارتباط بحيث يندرج تحت مفهوم النص كل ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية وثيقة الصلة بالحياة اليومية للناس , أو بتاريخهم سواء القريب منه أو البعيد . أنا هنا في واقع الأمر أتبنى المفهوم البارتي في تحليله للنص , لكني لا أسعي إلى تطبيقه بحذافيره , لكني أهدف من وراء ذلك توسيع حيز اشتغالاتي النقدي ليشمل مفهوم الثقافة بوصفها خطابا انثروبولوجيا . وعلى هذا الأساس أجدني دائما في حالة عبور على المناهج النقدية , لكني لا ألتزم بالطابع الأكاديمي المدرسي للنقد سواء ما كان منها داخل المعاهد أو الجامعات . فقط هناك ميل شديد عندي فيما يخص المقاربات النقدية , وذلك في جعل مهمة هذه المقاربات تأسيس علاقة متينة بين الثقافة والأدب من جهة وبين المجتمع وتاريخه النصي من جهة أخرى , وما بينهما أكون قد حددت رؤيتي ليس للنقد فقط , وإنما للإنسان والحياة والمجتمع , لذلك ليس غريبا أن تتسم نظرتي للنقد بالشمولية , لأنها في تصوري هي النظرة أو الرؤية القادرة في حقيقة الأمر للخروج بنا من شرنقة التخلف الفكري الذي طال ولا يزال نظام التفكير فـــي حياتنا الثقافية والاجتماعية والدينية .