محمد الحرز
لست واثقا تماما من مقولة الغياب تلك التي تصيب تجاربنا الشعرية المحلية بالاحباط ومن ثم بالضمور فالغياب والحضور هما حركتان لا تخضع جدليتهما في ساحتنا الشعرية الى عامل الابداع المرتبط بالذات فقط وليس الى رؤية الشعر من خلال التحقيب التاريخي: الجيل الشعري السبعيني, الثمانيني, وهكذا. لكن اشكالية الغياب المتصلة بالثقافة والابداع في مشهدنا المحلي تخضع لعوامل عدة ابرزها على الاطلاق ضعف التواصل الثقافي والابداعي بين الاجيال وكذلك عدم وجود مؤسسة ادبية وثقافية فاعلة من العمق تحتضن هذا التواصل وتنميه بحيث تحوله الى حركة ثقافية ذات سمات حوارية منفتحة على نفسها بنفس القدر الذي تكون فيه منفتحة على الاخر ولكن غياب هذا العامل بالاضافة الى هشاشة البنية الثقافية للمثقفين والمبدعين أنفسهم جعل من مسألة الابتعاد والاختفاء (وأنا افضل هذه الكلمة على كلمة الغياب لأن هناك من يتواصل مع الابداع والثقافة دون ان يرتبط عضويا بالمشهد او بأي من إحدى مؤسساته لأسباب من أهمها كما اعتقد عدم تجذر هذه المؤسسات في الحياة الاجتماعية والثقافية بما يسمح لها بأن تؤثر في التربية الجمالية والفكرية للمجتمع نفسه وهذه إحدى كبرى الاشكاليات في لحظتنا الراهنة) سمة بارزة تؤثر بشكل او باخر على الانتاج الثقافي خصوصا المتصل منه بالمؤسسة الرسمية لانه دائما نراه يخضع لمعايير استهلاكية ليست ذات صلة بالثقافة على الاطلاق وهناك من جانب اخر نجد البعض يفترض وجود علاقة تلازمية بين جملة من السمات الملتصقة بشعراء الثمانينات وبين مسألة الغياب عن الساحة الشعرية. إن هذا الافتراض كما بينا سابقا يعتمد اساسا منظور الثقافة الرسمية حينما تحدد بطريقة او بأخرى من الغائب عن الساحة ومن الحاضر؟! وهو كما نرى منظور اختزالي يهيمن عليه الحس الايديولويجي ويغلبه على الحس المعرفي والفكري في الثقافة بشكل عام ولكن بالمقابل لا يمكن ان تغفل الاشكاليات التي طرحتها قصيدة شعراء الثمانينات على الشعراء انفسهم في سياق موقفهم من الكتابة والثقافة والحياة ثم في مرحلة لاحقة على ما اكتسبوه من قناعات حصنت آراءهم الثقافية والشعرية ضد ما ينتج في الساحة من إبداع.اذن من هذا المنظور يمكننا ان نعمق ازمة قصيدة شعراء الثمانينات ونقول كما يلمح البعض بعدم الجدية وعدم وضوح الرؤية والتذبذب في المواقف لدى هؤلاء الشعراء هو في حقيقة الامر لا يفضي بالضرورة الى مسألة الابتعاد عن الساحة وانما يحيلنا ذلك الى امرين: الاول منهما يعود بأدارجه الى كيفية انتاجهم القصيدة بناء على موقفهم من الكتابة بالدرجة الاولى وهو امر مسكوت عنه في ساحتنا ولم يصل الى حدود المساءلة والفهم الامر الذي يجعلنا دائما نبحث عن اسباب برانية لا تمس معضلة الانتاج الابداعي من العمق وما تطرحه هذه الاشكالية من سمات ليست سوى واحدة من تلك الاسباب التي اشرنا اليها. أما ثاني الامرين فهو ما يتصل بقصيدة الثمانينات من مرجعيات ثقافية وهو امر في غاية الاهمية لانه بكل بساطة يعلل لنا جملة من السمات التي من اهمها مسألة التذبذب في الموقف من الابداع نفسه كما اشرنا سابقا. لقد كانت مرجعياتهم التي تأسست عليها القصيدة لم تعطهم القدرة الكافية لاسباب لا تدخل في دائرة اهتمام السؤال- على تحويل القصيدة لديهم من حالة الارتهان بالذاكرة الى حالة الارتهان بالواقع والحياة وبالطبع هناك استثناءات في بعض التجارب ولكن التجربة في عموميتها متأزمة بهذا الموقف فهي من طرف مشدودة الى هذه المرجعيات ومن طرف اخر مشدودة الى خصوصية المشهد ثقافيا واجتماعيا وما بينهما ظلت التجربة تنتج تناقضاتها ومفارقاتها التي انعكست بشكل واضح على موقف الشعراء من الساحة بشكل عام.2لا يوجد بالاساس في مشهدنا ما يسمى بالمشروع الحداثي حتى يحدث فيه نوع من الغلو من خلال تبني مفاهيمه وقيمه والمجاهرة به اننا نعيش حداثة رثة على حد تعبير برهان غليون. لقد كانت الصدامية في مرحلة الثمانينات تتعلق بالاساس بين المثقفين التقدميين والسلفيين حول ما يتصل بالحداثة من مفاهيم لم تتأزم على أيديهم بحيث تتحول الى خطاب فكري يستحضر في داخله جميع جوانب حياتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية برؤية نقدية ثاقبة بل ظل طابع هذه المرحلة ثقافيا هو السجالية بكل ما تحمله من ابعاد سلبية لم تشمل الجانب المعرفي في الثقافة فقط وانما تعداها الى عملية الابداع التي كانت هي المنطلق في تفاقم هذا الصراع ومن ثم تحويله الى طريق مسدود لذلك لا يمكن الارتكان الى الرأي بوجود حداثيين وغير حداثيين مادمنا نعتقد تماما ان ازمة الثقافة والشعر اكبر من مفهوم الصدامية التي تحدث بين حين واخر عندنا وكذلك لا يمكن حصر الازمة فيما لو تحدثنا عن شعراء الثمانينات من خلال علاقتهم بالقصيدة التي يكتبونها فقط وانما تعميق الاشكالية يتطلب منا ان ننظر الى هذا الجيل من خلال سياقه الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي حتى تكون عندنا صورة متكاملة عن جملة المؤثرات التي تحدد بصورة موضوعية الاسباب الحقيقية من مسألة الغياب على حد تعبير البعض او من عدمها. ان المجاهرة بالقناعات خصوصا ما يتصل منها بالشعر - لانها هي الاكثر سطوعا- واتخاذ سلوك التمرد في الكتابة لم يتحول الى ظاهرة لافتة للنظر لقد كان هذا السلوك شخصانيا بالدرجة الاولى ناهيك عما يختبئ خلفه من وعي مسطح لا يرتكز على خصوصية ولايبرر موقفه بناء على الثقافة وحدها لقد ادى ذلك الى عدم ثبات التجارب ومن ثم تناميها وتتطورها بشكل مطرد باتجاه المستقبل بل ما حدث هو العكس تماما والدليل لا ينطبق فقط على شعراء الثمانينات ولكن حتى الجيل اللاحق عليه اصابته بعض هذه الافات المتجذرة في ساحتنا. ان مبدأ رفض الشكل الشعري لقصيدة النثر عند بعض شعراء الثمانينات لا ترجع دلالته الكبرى الى الاحساس بالتراجع وفقدان الموقع وان بدا ذلك بشكل جزئي- وانما يتكئ على جملة من الدلالات اولها غياب التفاعل الشعري بين الاجناس الادبية وكان الحدود الفاصلة بينهما لم تزل في ذهنية بعض شعراء الثمانينيات هي حدود ازلية لا ينبغي عليهم ان يضعوها في نسق اخر من التفاعل الخلاق بل كان عليهم- علي سبيل المثال- ان يعيدوا انتاج قصيدة التفعيلة بالرؤية نفسها التي ترسخت في مرجعياتهم دون ان يلحق هذه الرؤية انفتاح على الاجناس الشعرية الاخرى ناهيك عن اشكال الكتابة الاخرى في جميع صنوف المعرفة اما ثانيها فيتمثل في القيمة الجمالية للشعر التي هي في دائرة الممارسة ليست سوى وظيفة ايديولوجية حيث كلما استجابت هذه الوظيفة للخطاب الثقافي الرسمي كانت القناعة بالشكل الشعري اكثر رسوخا وقوة وكلما كان العكس كان الشكل الشعري - ونحن نتحدث هنا عن علاقة الاشكال الشعرية بالخطاب الثقافي الرسمي بشكل خاص - اكثر ابتعادا ونبذا ان مفردات الوعي بالشعر في علاقته بالثقافة لم تذهب الى العمق في التأصيل لمبدأ الحوار بين الاجيال داخل الوطن ثقافيا واجتماعيا ضمن اطار مؤسساتي فاعل لذلك ما نراه من سمات كالفوضى والابتعاد والشللية والرفض للاخر هو من افرازات غياب هذا الوعي بالتحديد.