د. محمد حامد الغامدي

تاريخنا رسائل

نحن العرب مفتونون بالرسائل.. تاريخنا رسائل.. ومجدنا رسائل.. وديننا رسائل.. وحتى (خيبتنا) هي الأخرى رسائل.. (هواشنا) اليومي مشروع رسائل عظيمة.. الصراخ رسالة.. والهمس رسالة.. وحتى النوم العربي رسالة كبيرة لجميع الأطراف.. تضاريس أرضنا العربية من المحيط إلى الخليج رسائل.. تنصح بعدم تحدي البيئة وتدعو للتعايش معها.. وفهمنا لهذه الرسالة البيئية قادنا إلى ما نحن عليه من أوضاع. نعادي (الست) إسرائيل (دلوعة) العالم.. ونحن نتبادل التحيات.. ونمد الأيادي نصافح.. وما خفي اعظم.. يبني (شارون) الجدار العازل كرسالة واضحة وصريحة.. وبعضنا يعطيها بعدا لا يتفق ودوران القمر حول نفسه وحول الأرض.. ونحن كشعوب نتفرج.. ثم نشارك.. ليس فقط في الفهم ولكن في التحليل والاستنتاجات.. إلى أن نصل إلى الدوران في فلك الاختلافات.. ونختلف حتى على الاختلاف. *** العربي أسد.. من صغري تربيت على مثل (هيك) نزعة.. فكانت الرسالة الأولى في حياتي.. حيث عبر بي الوالد (شفاه الله) في عبور عظيم.. في يوم مشمس عربي أصيل.. مفعم بكل أنواع الآمال والطموحات والنصائب.. والمصائب.. حملني على كتفه.. في حوض سيارة لوري من بلاد غامد بلاد الحنطة والعسل والحليب..عندما كنت طفلا.. (زرعني) في مدينة بقيق. @ @ @أخذ يعلمني في أوقات فراغه.. كل ذلك ليثبت لأخوالي أن ابن الأسد أسد وليس شبلا.. ولكي يحد أيضا من زعل الأخوال الذين تعاطفوا مع أمي.. التي بكت وبحرقة أثناء وداعها لطفل لم يبلغ السادسة من العمر.. هكذا كان الحث نحو المستقبل ينفخ في جسمي (الطفولي) معجزات الأحلام.. حتى جعلني اكتب أول رسالة في حياتي عندما كنت في الصف الأول ابتدائي.. وجهتها إلى خالي (علي) رحمه الله في جدة.. ليثبت أبي لهم أن حرماني من صدر أمي حقق مكاسب علمية. @ @ @ كانت رسالة تحمل كلمات معدودة وبخط (خن فشاري) وكان خالي هو الآخر أسدا في عرينه.. احتفظ بتلك الرسالة.. وسلمها لي في المرحلة الجامعية.. لم أدرك أهميتها.. مزقتها في حينه.. لم اعرف قيمتها التاريخية.. وقد كانت ضرورية لأبنائي.. ليعرفوا أنني أسد.. حتى وان كنت اردد.. (اتح اتح انبوه).. وأهز جسمي على أنغام طبول البرتقالة والبذنجانة.@ @ @رسائلي لا تهم.. فهي رسائل كانت مرسلة للتذكير بنسيم الصباح.. الذي كان أيضا مرحلة لمد أغنية (يا نسيم الصباح.. سلم على باهي الخد..) وطبعا خد بدون أصباغ.. يعطي رسالة صادقة بأن كل شيء طبيعي.. وخال من المواد الحافظة والملونة.. العرب اليوم يتبادلون رسائل مختلفة مع الآخرين بعد أن فقدوا فن التواصل بواسطة الرسائل.. أتعجب عندما اسأل طلابي ويجيبون انهم لم يكتبوا أي رسالة في حياتهم.. مع كثرة وتعدد رسائلهم اليومية.. لكنهم عرب.. يستطيعون أن يمارسوا كل شيء بطرق مختلفة..@ @ @ الرسالة العجيبة التي تلقاها العرب مؤخرا.. هي رسالة بوش الأب.. عندما قال انه يسعى لترشيح ابنه الثاني لرئاسة أمريكا.. ولا ادري كيف قرأ العرب تلك الرسالة.. ولكني كشخص عادي يتفرج على (هيك) عالم.. أثار في ذاكرتي زوبعة أغنية (الريحاني) التي تقول: (حاسس بمصيبة جيّالي).. وسمعت شوارع العالم تردد يـ (لطيف).. يـ (لطيف).. آباء يبحثون عن الفحولة من خلال الأبناء.. وجدت أبي صاحب رسالة إنسانية.. أما الأب (بوش) فله رسالة إهانة العرب.. وحقن الشر في نفوس العالم.@ @ @أبي لم يرتكب ما يخل بشرف الأمة.. وشرف العائلة العالمية.. كان (فقط) حريصا على تعليمي.. لذلك حملني على كتفه.. من قريتي بغامد.. وأسس لتعليمي في بقيق.. وطبعا كنت (عزابي) مع الوالد.. (الشغلة) كلها حرب ضد الجهل.. وليست حربا ضد الإنسانية.. لم تكن حروب إبادة وسجونا أطلقوها كرسالة للعالم العربي.. ثم ابتدعوا حروب رسائل الصور .. ومنها صور المهيب صدام حسين.. وهو جالس يغسل ملابسه.. ليذكروا العرب بأغنية (الطشت قلي قومي استحمي).. وطبعا هناك اكثر من قراءة لمثل هذا التصرف.. أهمها أن (الرجّال) ما زال حيا.. يشكل مادة لرسائل إدانتهم.. على انتهاك حقوق البشر العرب الأكحاح.@ @ @وطبعا لابد للعرب من رسائل مضادة.. بعضها مسموع وبعضها مقروء.. وبعضها مرسل في قدر كاتم لا يفتح إلا في واشنطن.. على (شان) البهارات والنكهات العربية لتظل محفوظة.. ولكن هناك رسائل التفجيرات.. الأكثر أهمية لدى العرب.. ونتعجب من تفجير إنسان وسط الشارع لتكون رسالة موجه للآخرين.. وهذا يعني أن اللغة توقف تأثيرها.. لذلك لابد من إيجاد لغة أخرى.. وهكذا نجح العرب في رفع شعارات الرسائل الموجهة إلى أنفسهم خوفا وهي في الأصل موجهة لكبير عائلة (بوش) يقولون فيها: كفاية.. ارحلوا.. تقاعدوا.. لكنها رسائل متبادلة بين الطرفين.. فهل لديك رسالة؟.. أما رسالتي فهي: الأعمال الرائدة.. يفهمها الآخرون.