محمد الحرز
ردود الأفعال التي جاءت بعد الاقتراحات التي قدمها الدكتور محمد آل زلفة إلى مجلس الشورى حول قيادة المرأة للسيارة كانت غالبيتها تصب في خانة السجالية المتشنجة , وليست المناقشة الهادئة التي تستطيع أن تفتح الباب على مجمل قضايا المرأة وإشكالاتها في المجتمع السعودي دون الانزالق في متاهة الاتهامات والمماحكات التي لا طائل من ورائها سوى تصعيد وتيرة العداء والتنافر بين جميع الأطراف المعنية بقضايا المرأة وهمومها. والمتابع لما ينشر في الصحف عندنا بالذات حول هذه القضية يلاحظ صعوبة الخروج بتحليل أو رؤية عقلانية هادئة, تشعر من خلالها بعمق المسؤولية , وجدية الطرح , وشفافية المقترح , وعوضا عن ذلك لا تجد أمامك سوى الشعارات الجوفاء التي تأتي من هنا وهناك , والتي ليس من همها سوى إصدار الاتهامات جزافا ضد المؤيدين لسياقة المرأة للسيارة , والعكس صحيح , وعلى هذا المنوال تذهب أدراج الرياح جميع الاجتهادات التي تهدف إلى رفع مستوى الوعي بمجمل القضايا سواء تلك التي تتعلق بالمرأة , أو بغيرها من القضايا التي تهم المجتمع , وذلك لسبب بسيط هو قلة المشاركة في تفعيل هذه القضايا عن طريق الحوار والسؤال وطرح وجهات النظر عند أغلب المثقفين والمسؤولين وأصحاب القرار . الأمر الذي يفضي في أغلب الأحيان إلى تعويم هذه القضايا , واختزالها بالتالي في ردود الأفعال فقط , مثلما حدث سابقا في قضية الاختلاط بين الرجل والمرأة , خصوصا بعد حادثة المنتدى الاقتصادي في جدة قبل عام تقريبا , وكذلك قضية الاعتداء الجسدي على الزوجة من طرف أزواجهن مثلما حدث مع المذيعة رانيا الباز , حيث ظلت مثل هذه الأحداث وما شابهها لا تخضع إلى تحليلات سسيولوجية وفكرية ثقافية معمقة , ولا كذلك إلى مقاربات نقدية تأخذ في الحسبان رأي جميع شرائح المجتمع ومثقفيه , ومن ثم تخضعها للتحليل والدرس , وإنما ظلت تخضع بالدرجة الأولى إلى الحكم الشرعي , وما أقصده هنا بالحكم الشرعي هو إصدار الأحكام دون محاولة فتح باب الاجتهاد عليه , أي محاولة ترك الأبواب مفتوحة على الحوار , وتقبل الرأي والرأي المضاد, أو على الأقل مناقشة الأفكار والأطروحات دون الإلغاء أو الشطب . إن ما يعطي مشروعية تعميق وتوسيع القضايا التي ترتبط بالمرأة في مجتمعنا هو إدراك وضعها الاجتماعي والثقافي , وظرفها الاقتصادي والمعيشي , وذلك من خلال إنشاء مراكز بحوث استراتيجية , تكون وثيقة الصلة بالمؤسسات والوزارات التابعة للدولة , تعنى بالجانب الإحصائي والاستقرائي والحقوقي في كل ما يخص وضعية المرأة , بحيث يكون تحت إشراف متخصصات من النساء أنفسهن . وهذا كفيل في تصوري برفع مستوى الوعي إلى حدود القناعة الإيمانية بأهمية تداول ونقاش أكثر المشاكل مصيرية, والمؤثرة فينا كمجتمع سعودي من العمق . لقد اتسمت حوارتنا حول المشاكل التي نعانيها سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو سياسية بالصراع الذي لا يفضي إلى شيء , وقد رأينا مؤخرا كيف جاءت تصريحات وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز حول موضوع قيادة المرأة السعودية للسيارة , وذلك حينما قال بأنه " موضوع ثانوي معربا عن أمله بأن لا تتطور القضية إلى جدل بين فريقين داعيا المواطنين إلى إدراك الأولويات". إن تصريحات سموه تأتي بمثابة الدليل الذي يؤكد على أننا لم نزل نناقش قضايانا بعيدا عن روح المسؤولية والحس النقدي المنفتح على آفاق المعرفة والعقل . إذن , أليس من الأجدر أن تكون اهتماماتنا وأولوياتنا ترتكز على النظرة الشمولية فيما يخص قضايا المرأة , أي النظرة التي لا تقف عند حدود جوانب معينة من هذه القضايا مثل قيادة المرأة للسيارة - وإن كانت هذه الجوانب لها أهميتها وضرورتها حسبما نرى - ولكن مفهوم الوعي الشمولي يجعلنا نعيد التفكير في قضايانا الاجتماعية والثقافية من منطلق الانفتاح على مشاكل عالمية معاصرة , وكذلك التعرف على ما يدور في العالم من أحداث ,تنعكس بصورة أو بأخرى على أهم القضايا التي تواجهنا في حياتنا اليومية . لقد استطاعت المرأة عالميا - على سبيل المثال - أن تحرز تقدما ملحوظا في إظهار قضاياها إلى العالم بصورة لا فتة , وأيضا مؤثرة على الرأي العام العالمي , فقد ظهرت جمعيات نسوية تطالب بحقوق المرأة في جميع المجتمعات , وما يهم في الأمر هو أن هذه الجمعيات أصبحت رائدة في التصدي للآثار المدمرة التي تفرزها العولمة الليبرالية الجديدة ضد النساء على وجه العموم وليس الخصوص , بل واستطاعت أن تخصب المجال الثقافي العالمي من خلال " النظرية النسوية " التي ارتبطت بالتجديد في الفكر والأدب والفلسفة , وقد جذبت إليها مفكرين كبارا , استطاعوا أن يقدموا للفكر الإنساني من خلالها الشيء الكثير , ولسنا في صدد ضرب الأمثلة . وقد أثارت هذه النظرية مسائل عديدة , من أبرزها الهيمنة الذكورية على المرأة في جميع المجالات . فقد صدرت دراسة مؤخرا تحت عنوان " هل العولمة جيدة للنساء " للكاتبة " أليسون جاغار " تعدد فيها أبرز أوجه التسلط والحيف الذي يقع على المرأة , فقد ذكرت" أن مصطلح تأنيث الفقر قد تم نحته لوصف وضع النساء في الولايات المتحدة , لكن الظاهرة أصبحت عالمية الآن ويتزايد نطاقها . تقول الأمم المتحدة أن النساء الآن يشملن 70 بالمئة من فقراء العالم الذين يبلغ عددهم 1.3 بليون . إن فقر النساء يرتبط بإحصاءات مقلقة حول الوضع الغذائي للأطفال والوفيات والصحة . وتذهب الكاتبة في تساؤلاتها حول السلام والأمن لتقول : هل يكون العالم في سلام عندما تكون مئة مليون امرأة مفقودة . وعندما تكون الفتيات والنساء الباقيات معرضات لقتل أطفالهن , والمنع المنظم للغذاء والرعاية الطبية والتعليم عنهن , ومعرضات للاعتداء والضرب على أساس الجنوسة , والاغتصاب والتشويه الجسدي وحتى القتل . لقد أظهر التفكير النسوي أن النساء لا يمكن أن يزدهرن في ظل غياب السلام الحقيقي والازدهار والبيئة الصحية واحترام التراث الثقافي . ربما يتساءل البعض ويقول : إن مثل هذه الأمور بعيدة عن مجتمعاتنا الإسلامية العربية , وبالتالي لا تعنينا في شيء , قد يبدو ظاهريا صحيحا , ولكن نحن نعرف تماما أننا لا ننفك أن نكون جزءا من هذا العالم , خصوصا تحت تأثير عولمة الاتصالات , ولا يمكن في هذه الحالة أن نكون بعيدين عن الآثار الناجمة بسبب ما يشهده العالم من تغيرات وتحولات ومشاكل .