د. عبدالوهاب القحطاني
تشهد المملكة حركة اقتصادية كبيرة في سوق العقارات في السنوات الأربع الأخيرة ما يشير إلى توافر السيولة النقدية في البلاد بعد عودة نسبة من الأموال المهاجرة بحثاً عن الاستقرار الذي يعد أساساً للنمو الاقتصادي، لكن هذا ليس ما يثير اهتمامي للكتابة عن سوق العقارات السعودية. ما يثيرني ويخيف الكثير منا هو ضعف التنظيم لسوق العقارات السعودية بسبب غياب القوانين المناسبة وعدم تفعيل القوانين الحالية لحماية الاقتصاد الوطني من التداعيات المحتملة لا قدر الله. الجنون الاستثماري في العقارات من غير ضوابط رقابية وتوجيهية مخيف بلا شك لأن العديد من الشركات العقارية تعمل من غير رؤية واضحة مدروسة أو خطة واضحة الأهداف لترشد بذلك المستثمرين في سوق تختلط فيها النوايا الحسنة بالنوايا السيئة ما يجعل استقرار ونمو سوق العقارات يواجه تقلبات مستقبلية محتملة تؤدي إلى نتائج عكسية. وإذا استمر جنون المخططات من غير تنظيم فإننا سنرى ازمة عقارية تعصف بالاقتصاد لأن الكثير من المستثمرين استثمروا أموالهم في عقارات مبالغ في أسعارها ما يعيد إلى الذاكرة ما آلت إليه سوق العقارات قبل حوالي عقدين من الزمن، حيث صعدت بشكل حاد ومفاجئ ثم هبطت ليخسر الكثير من صغار العقاريين . ولو نظرنا إلى القيمة المضافة في سوق العقارات السعودية لوجدنا أنها غير متوافرة لأن المستثمرين لا يحركون أموالهم في صناعة الاقتصاد والمعرفة والتحويلات الإنتاجية التي تزيد من القوة التنافسية للصناعات السعودية، بل يجمدونها في أراض غير مطورة لفترة طويلة ما يؤثر على الكفاءة الإنتاجية للمال. كثرت الشركات العقارية، وكذلك المروجون العقاريون في أرجاء المملكة، وتهافت صغار المستثمرين بحثاً عن الثراء، لكن قمة الجبل الجليدي بدأت في البروز بينما قاعدته العميقة الكبيرة لا نعرف مداها ولا يوجد لدينا معلومات عن حجمها. الجبل الجليدي في سوق العقارات تعبير عن بداية ظهور المشاكل التي تفلس بالمستثمرين، فمنها المشاكل الناتجة عن سوء ادارة العقارات ومنها ما ينتج عن سوء النوايا المبيتة ضد المستثمرين. وسيساهم هذا الجنون في تدهور سوق العقارات السعودية إذا لم تتخذ الحكومة الخطوات التنظيمية الشفافة لتساعد المستثمرين على اتخاذ القرار السليم بشأن الاستثمار في قطاع العقارات الذي لا يساهم اليوم في خلق وتطوير أي قيمة مضافة في السعودية لأنه يتعامل فقط في السيولة النقدية من غير تطوير للأراضي كما هو معروف على مستوى العالم. مخططات هنا وهناك وأموال شبه مجمدة لفترة قد تصل إلى عقدين من الزمن من غير تطوير يذكر للمناطق المخططة. وبالرغم من وجود بعض الشركات العقارية ذات المهنية والمصداقية العالية في المملكة إلا أنها محدودة العدد والنطاق الجغرافي، لذلك يجب أن تتوسع في مناطق أخرى لتزيد من مشاركة رأس المال الوطني.جنون لم يسبقه جنون، لذلك يحتاج المستثمرون الصغار للوعي العقاري، وأيضاً لحماية النظام الحكومي لسوق العقارات في المملكة. وبالرغم من عدم توافر الخدمات الأساسية لبعض المخططات إلا أن أسعارها عالية، ويتسابق على شرائها صغار المستثمرين أملاً في الربح السريع. الخوف أن تنتهي أموال هؤلاء المستثمرين في أرصدة وحسابات المروجين الكبار الذين لا يهمهم سوى تحقيق الربح بأي طريقة وإن كانت غير اخلاقية. @ أستاذ الإدارة الإستراتيجية والتسويق المساعد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن