د. محمد حامد الغامدي
نفتح العين على الحياة.. ونجد أمامنا كل شيء جاهزا.. نجد السعادة والحزن.. والكلام الحلو والكلام (الوحش).. ونجد السلام والحرب.. والدعاء والشتائم.. نولد ونحن في طوفان لا يقل عن طوفان جنوب شرق آسيا.. بعضنا يذهب كضحية.. والبعض الآخر يبقى بكثير من العاهات.. وطبعا يكون العقل هو الزلزال الذي يسبب تموج الحياة.. ويشكل صفائحها الساخنة والباردة.في أحد القرى الرابضة عبر التاريخ على أحد سفوح جبال بلاد غامد.. وجدت نفسي (ابنا) لأب كان يرعى الغنم.. ولأم كانت ترعى هي الأخرى الغنم.. كنتيجة.. كان أول مهنة لي لم تكتب في الحفيظة.. هي: (راعي غنم محمول).. تحملني أمي على كتفها في جلد ماعز يسمى (الميزب).. تتجول بي خلف غنم الأهل.. مثل التلفون الجوال في أيامنا هذه.. ولكن في عناء اكبر.@ علقت أمي الميزب وأنا بداخله في غصن شجرة.. وذهبت خلف الغنم.. رجعت وقد شارفت على الموت.. حيث انسل جسمي من الميزب نحو الأرض وتعلقت.. ولكن لا ادري من أين؟.. ولا تسألوني المزيد. @ المهم في رحلة ومرحلة الغموض تلك.. كانت أمي تروي لي الحكايات.. عن مغامرات.. عشتها في القرية.. ولا اعرف عنها شيئا.. يعني (شاهد ما شفش حاجة).. لكنها كانت قرية كبقية القرى الأخرى.. تعتمد على قاموس (الجن) كمرجع لتفسير الظواهر التي تفوق إمكانيات عقول أهلها وإدراكهم. @ وبعد أن تمكنت من تشغيل أذني.. والتقاط الأصوات وتمييزها.. وجدت الكثير من المفردات التي تدل على عجز وسوء حالة.. لم أعطها بالا في ذلك الوقت.. لكني كنت ارددها.. وبعد تجاوزي العقد الرابع.. يمر قطار ذكريات الطفولة مع قريتي وطوفان حياتها.. الذي استمر تأثيره معي حتى اليوم.@ تعرفت وبكل جدارة على كلمة (جنّي).. وجدت الجميع يرددها.. وبأشكال مختلفة.. وقت الزعل.. تسمع كلمة جنّي.. وقت الإعجاب.. تسمع كلمة جنّي.. وقت العتاب.. تسمع كلمة جنّي.. وقت الرجولة والشهامة.. تسمع كلمة جنّي.. اصبح الجنّي وصفا لكل شيء.. يأخذ أشكالا وألوانا مختلفة.. فهو سيئ.. لكنه طيب.. جنّي لكنه ملائكي.. وهو جنّي لكنه ليس بجنّي.@ وتعددت أشكال هذا الجنّي.. فوجدت أن لكل ركن وزاوية جنّيا مختلفا.. هناك جنّي الدمنة.. وهناك جنّي الوادي.. وهناك جنّي الخشيب.. وهناك جنّي الجبل.. وهناك جنّي الطلح.. وهناك جنّي الرماد.. وهناك أيضا جني البيت.. الخ.الغريب أن الجنّي له قبيلة.. هكذا عرفت فيما عرفت.. كنت اسمع عجائز القرية يقولون: مع كل قبيلة هناك جن من الحلفاء.. ومع كل قرية هناك جن من الحلفاء أيضا.. وطبعا لابد أن تصدق.. فأنت ما زلت حبيس طوفان حياة القرية. @ ما زلت اذكر انه في احدى المباريات الكروية بين فريق القرية وبين فريق قرية أخرى.. خرج بعض العجائز.. إلى شجرة كبيرة في القرية.. وهن يحملن مشاعل البخور.. التي ينبعث منها رائحته ودخانه في المكان.. وكن يقلن: يا جن العليّان العبوا مع أولادنا.. ساعدوهم ولا تضروهم.. وهناك المزيد حجبته عنكم. @ المهم.. تجتاحنا حالة من القوة.. وحالة من الثقة.. بأن الفوز حليفنا في ظل وجود حليف قوي من شباب جن العليّان الذين سيلعبون بجانبنا.. وكنا نفوز.@ استمرت هذه الحالة إلى أن أتى عصر التخلي عن حلفاء جن العليّان.. والآن وفي تلك القرية التي لم يتجاوز عدد بيوتها 50 بيتا في ذلك الوقت.. اصبح 7 من أبنائها يحملون درجة الدكتوراه.. والثامن في الطريق أن شاء الله.. واكثر من 10 يحملون درجة الماجستير.. وعشرات من حملة الشهادات الجامعية.. والرتب العسكرية المختلفة وعلى رأسها رتبة لواء.. وأيضا خبراء في مجال النفط والمال والأعمال.@ ولا ادري إن كان لا يزال هناك جني مرافق لكل واحد منا.. يساعده في الدراسة والتحصيل.. ويساعده في مواجهة طوفان الحياة؟! @ كان هناك أيضا جن ملونون.. فنقول: جنّي اصفر.. وجنّي احمر.. وجنّي ازرق.. لكن جنّي الغدير هو الأخطر.. فبجانب كل غدير هناك جنّي.. لذا يجب أن نحترم المكان.. وفي وجود شقاوة يمكن أن نتسبب في زعل الجنّي وقد يقوم برغقنا.. وطبعا ينتابنا الخوف كأطفال.. ونحافظ على راحة الجنّي.@ البعض كان يستخدم الجن في مجال توزيع الأوسمة.. فنقول: فلان شاطر.. فيرد البعض: جنّي مثل أبوه.. أو جنّي مثل جده.. وما جعلني أتذكر قصة الجن في القرية.. هو ذلك الكهل الذي قال عن (بوش): هذا رجل جنّي.. وقال: عن أمريكا انهم جن. @ عضلات قريتي بالأمس كانت من الجن.. واليوم.. في هذا العهد الخير.. اصبح العلم عضلاتها المفتولة في نفوس شبابها.... تحولت قريتي إلى جامعة.. معها انتفى وجود الجن.. اصبح العلم فيها.. مرجعا لعقول شبابها ومنفذا للتغيير.. فهل يستمر؟!