محمد الحرز

محمد الحرز

إن مجرد الوقوف والتأمل عن قرب فيما يحدث في محيطنا الوطني والإقليمي والدولي يشعر المرء معه بخطورة الأوضاع بوصفها انعطافة في مجرى الأحداث , وفي مجرى التغيرات التي تطال كل شيء من حولنا سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا . لذلك لم يكن الرهان على الثقافة بدوافع المواجهة أو التصدي لخطر الأفكار المؤدية إلى العنف والتطرف والإرهاب فقط , إنما الرهان عليها كذلك يعود في أهميته إلى قدرتها على توسيع رقعة الشعور بالانتماء إلى الأرض , وتعميق الإحساس بالمواطنة من خلال السلوك اللفظي والجسدي في حياتنا اليومية إنها قدرة على النزوع إلى المشاركة في قيم وطموحات جديرة بأن تعطى للحياة الجماعية مرجعية وأفقا ومعنى , ومن أهم هذه القيم والطموحات الوحدة التواصلية - بين كافة أبناء المجتمع السعودي - والتنوع التكاملي الشبيهين إلى حد كبير ببنية السمفونية , أو بصورة قوس قزح , بالطبع دون أن ننسى في هذا الإطار مشروطية المعرفة بعمقنا التاريخي وبجغرافية أرضنا , والسعي إلى ولوج العالمية من باب مواطنة لغوية وثقافية منفتحة خلاقة . لأجل ذلك كله يطل علينا سؤال الحوار في الثقافة بوصفه النقلة النوعية في مجال التفكير , وبوصفه كذلك سؤالا مهما تفضي إجابته إلى معرفة الآخر - أيا كان هذا الآخر - وذلك استنادا على قيم نبيلة : مثل الحب والحياة الإنسانية المشتركة , والتواصل الحضاري المعرفي. إن هذين الاعتبارين يشكلان إحدى الركائز التي تسعى إلى إنتاجها ثقافة الحوار , وهو مطلب حقيقي ليس لأهميته في الوقت الحالي فقط , وإنما لاحتوائه على إمكانيات هائلة تساعدنا كأبناء مجتمع تضمهم دولة واحدة على الانفتاح والخروج من شرنقة الانغلاق والانعزال المناطقي والطائفي والقبلي باسم الخصوصية وباسم العادات والتقاليد الموروثة .إن الطبيعة الاجتماعية لمصطلح ثقافة الحوار هو الاعتراف والإقرار بوجود الآخر , الاعتراف بالإنسان الغير , كشخص مُخاطب , متلق ومتجاوب . وشرط نجاح هذه العلاقة الاجتماعية اعتبار الواحد والآخر متساويين , ويقبل الواحد المجاوبة مع الآخر . ويستلزم ذلك ضرورة - أولا - إرادة الانفتاح وشرطه الانتباه والإصغاء . ثانيا : إرادة فهم الغير ونفي الاستعلاء أو التسلط أو التبعية ورفع كل التباس ومعرفة الشخص الآخر من مختلف توجهات فكره وسلوكه وشخصه .يقول الباحث مصطفى دندشلي "إن إرادة فهم الآخر والانفتاح عليه والتواجد معه هو التحاور بأعمق مستوياته لأنه يطال وجود هذا الشخص الآخر وتوكيد حريته والاعتراف له بها , واعتباره كفوءا له ومساويا . ولكن إذا أراد الواحدُ الآخرَ وسيلة أو تبعا أو اعتبره شيئا يستخدمه , تنقلب هذه العلاقة المتبادلة إلى علاقة تسلط أو تعال أو رفض فهنا ينتفي الحوار ويختل التوازن ويصبح سيطرة أو خضوعا "."ولا يصبح الإنسان إنسانا إلا بوجوده مع الإنسان الآخر , ولا يصبح معرفة إلا بتفاهمه مع الغير . لذلك كان وعي الإنسان واحتياجه إلى وجود الغير شرطا ضروريا لتحقيق وعيه لذاته ولوجوده ولغيره . كما أن انكماش الفكر واكتفاءه وانغلاقه عليها إنما هو اختناق له وفناء . وهذا هو التعصب القاتل والنرجسية والغرور . والواقع ليس التعصب فقط أن يعتقد الواحد اعتقادا جازما حاسما بصحة آرائه وصوابها دون غيرها , وإنما أن يحتجب أيضا احتجابا مقيتا عن نظر الغير وفكره , وعن حقيقة أفكاره وآرائه . لذلك يأبى المتعصبُ الحوار والتجاوب والتفاهم . غير أنه باحتجابه عن الغير ينطفئ بدوره ويتجمد فكره ويتحجر عقله ويفنى . فالتعصب بكلمة واحدة هو إرادة الفرد أن يبقى في ظلمات الأوهام . من هنا يخاف المتعصب الحوار أي حوار كان . وعليه بالتالي تتحول أفكاره إلى جهة التطرف والعنف , وما عليه بالتالي سوى أن يبحث له عن ضحايا يمارس عليهم عنف الفكرة المتعلقة بعنف الجسد . ولو خرجنا من الإطار النظري لمفهوم دلالة المصطلح , ومن طبيعته ووظائفه وغاياته الاجتماعية والثقافية , وانتقلنا به إلى فضاء التاريخ الإسلامي , وحاولنا أن نجد سندا قويا في تراثنا الثقافي يعزز من شرعية الحوار ويدعمه ويغذيه بالمعرفة الخلاقة , لرأينا الكثير من المواقف والأحداث التي تدل دلالة قاطعة على عمق الصلة التي كانت تربط بين الثقافة العربية الإسلامية وعقلية الانفتاح على الآخر . لقد كانت قضية الاختلاف الديني عند علماء المسلمين تنطلق من الرؤية التسامحية - التعايشية التي شمل الإسلام بها الأديان الكتابية وغير الكتابية من آراء وعقائد . فقد اهتم هؤلاء العلماء بمختلف هذه العقائد للتعرف عليها والتعريف بها , وكذلك بمجادلتها بالتي هي أحسن . وتخصص كتّاب في التعريف بـ " الملل والنحل " يعرضون لها في الكثير من الموضوعية وانشغل آخرون بالرد والنقض , ففي القرن الثالث نشأ أدب يحاول التعريف الشامل بمختلف العقائد والملل , وهو ما سيدخل تحت مصطلح " المقالات " رغم عدم خلوه من النقض والرد والحدية السجالية , ولكن مع ظهور القرن السادس بدأت تختفي تلك النبرة الحادة تجاه تلك العقائد وأكبر مثال على ذلك الشهرستاني وكتابه " الملل والنحل" , وكتب ابن النديم وابن حزم , وبعض كتب التاريخ مثل تاريخ المسعودي وحمزة الاصفهاني , والذي يثير الانتباه كما يقول أحد الباحثين إن هؤلاء المؤلفين يحرصون دائما على إعلان أنهم التزموا الموضوعية فيما عرضوه منها ولو خالف مذهبهم , أو عارض عقيدتهم الإسلامية . وهو موقف علمي يستحق التنويه . ولكن إذا كانت هذه إحدى صور العلاقة الفكرية الأكثر انفتاحا والأقل تزمتا- للأسف انقطعت تقاليدها في وقتنا الراهن- , والتي ارتسمت بين المسلمين وغيرهم من الديانات والعقائد الأخرى الذين عاشوا معهم داخل اطار ما اصطلح على تسميته بـ " دار الإسلام " , فماذا إذن عن بقية الثقافات عند الشعوب الأخرى ؟! سؤال ينبغي التركيز عليه من جديد.