مطلق العنزي

مطلق العنزي

الحياة سلسلة من العلاقات الجغرافية والفكرية والبشرية، ولواعج النفس وطموحاتها، وغرورها وضعفها وقوتها وأمراضها وتوهجاتها. وكونها بهذا التنوع، فهي تكوين معقد. ودائماً العلاقة مع الآخر تشكل مشكلة، وتستنزف طاقات الجدل والاهتمام في أوساط المجموعات والشعوب حيثما كانت. وفي الثقافة الإسلامية النقية الصافية، تم حل جدلية العلاقة مع الآخر، وقد قضى الله تعالى بـ"وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم".وهذا يعني أن الثقافة الإسلامية هي علاقة تواصل مع الآخر وليست إقصاء له أو إفناء لوجوده.ومع ذلك نجد بيننا من يحاول تحويل الحياة إلى وصفة آلية لعلاقات محدودة مع من يقرر أنهم الأصفياء الأطهار. وبعضهم لا يرى الطهر سوى في عزلة مظلمة تدار ببدائية جاهلية.وقد مرت علينا فترة من الزمن وجدنا شباباً مراهقين جهلة وحمقى أحياناً، يطلق عليهم ألقاب "فضيلة الشيخ" لا عمل لهم سوى البحث في أي شأن، والتشكيك فيه بهدف معاداته وتعطيله، ومد قائمة المحرمات كما يهوون، وكما تتخيل آفاقهم الضيقة لا كما قضى الله تعالى النزيه كما يتقولون.بل ان هؤلاء المراهقين قد أحرجوا مشايخ فضلاء حكماء..ولن أنسى مراهقاً وقف، بكل جهل ووقاحة وسوء تربية، قبل سنوات، أمام شيخ فاضل وتجرأ بالكلام على الشيخ واتهمه بأنه يخالف الشرع. لأن الشيخ لم يوافق هؤلاء المرضى السيئي التربية على تحريم كل شيء..واحتار الشيخ الحكيم، إذ المراهق جاهل نزق ولا يمكنه أن يقتنع إلا بهذا الضلال الذي يتلبس رأسه، ولم يكن يود أن يجرح مشاعره. فاختار تجاهله.وكان أولئك المراهقون يريدون منعنا من كل وسائل الحياة، وفتح "كوة" صغيرة في جلابيبهم للمباحات، لكي يمنعوها عنا إذا ما أرادوا. وعلى عكس الذين يروجون للسموم والتشكيكات فقد قامت الدولة باجراءات للتعامل مع هذه الموجة بحكمة وبدأت بالحوار مع هؤلاء مبكراً. ونجحت في التحاور مع مشايخ كانوا من الغلاة هم الآن يساندون الخيار الوطني ضد ثقافة التدمير والإفناء. ولكن أحداث 11 سبتمبر عام 2001 وما تبعها، هي التي استفزت مرضى الغلو فبدأوا يبنون جحورهم ويجمعون قنابلهم ووسائل التدمير للهجوم على بلادنا الآمنة وقتل أبنائنا وإخواننا وجيراننا. اعتبر هؤلاء أحداث 11 سبتمبر بطولة، واعتبروا الرد الأمريكي موجباً للجهاد، بينما عدوان 11 سبتمبر (بفتوى مشايخ فضلاء) هو غدر آثم لأبرياء في مكاتبهم. وهي هجوم وعدوان على الإسلام والمسلمين قبل أن تكون عدوانا على أمريكا، مهما حاولوا من تبريرات أو أوردوا من حجج. وكون الإدارة الأمريكية تساند إسرائيل، فإن ذلك ليس مبرراً على الإطلاق لقتل أبرياء، لأن دم كل بريء، مهما كان لونه أو دينه أو عقيدته، معصوم بحكم الله. مثلاً: الآن نصف الأمريكيين ضد سياسة إدارة بوش وغلاتها التوراتيين، كما أن يهوداً أمريكيين لم يعترفوا بإسرائيل الصهيونية حتى الآن بينما اعترفت بها الحكومة الفلسطينية وأكثر من عاصمة عربية. فكيف تكون دماء مثل هؤلاء مباحة؟. وكان حفيف حبيب، يهودي، قد أمضى السنوات الأخيرة من عمره يزور المساجد والكنائس في واشنطن، يدعو إلى مواجهة خطر الصهيونية على فلسطين، وعلى اليهود وعلى العالم. وقدم وحده جهداً لمكافحة أطماع إسرائيل أكثر مما قدمته وزارات الإعلام العربية مجتمعة. ونظراً لمعاداته للصهيونية فإن واشنطن حددت إقامته في العاصمة. ولو تصالح مع إسرائيل ورجالها لمات منعماً ثرياً. ولكنه رضى بالفقر وأن يموت في شقة متواضعة ورأسه مرفوعاً، على أن يموت ذليلاً في قصر. وثقافة الظلام تحلل دم حفيف (فقط لأنه يهودي) مثلما تود تدمير كل الصالحات.أمن المؤسف أن يشوه الإسلام في منبعه، وطنه الأخضر، لون الحياة، وإشراقة الشمس..وترقالت الحبيبة..يا وطن.. الفضيلة..كم جريمة، باسمك، يرتكب العقوق..وكم تاجراً يزايد، عليك، في بورصات الأرض..كم عيناً تدمع لحزنك.. وكم قلباً يتألم..عيني خارطة الوطن.. ودمي الوفاء.. يا وطن الصالحات..يا يداً تمتد، دوماً، بـ"السلام عليكم"..السلام عليك والبركات..