د. محمد حامد الغامدي
@ على أحد تلال واحة الأحساء الشهيرة..تسمرت واقفا..أمعنت النظر..وامتد البصر.. عبر التاريخ..أرى الواحة.. أرضا.. ونخلا.. وماء.. وإنسانا..كانت تشكل إنجازا..حافظ على الحياة.. متوهجة.. روحا ومكانا وموقعا.. في صحراء قاحلة.@ تساءلت.. ماذا يمكن أن أقول؟تذكرت ما قاله شوقي عن المسجد الأموي..وقلت: هذا بالفعل ما أود قوله..@ يقول:مررت بالمسجد المحزون اسأله..هل في المصلى أو المحراب مروان؟تغير المسجد المحزون..واختلفت على المنابر أحرار وعبدان@ فلا الاذان اذان إذا تعالى في منارته..ولا الاذان اذان..@ كانت تلك أبيات من قصيده لشاعر العرب الكبيراحمد شوقي..قالها في زيارته لمدينة دمشق العرب..@ وتلك الأبيات.. تسجل انطباع شاعرنابعد زيارته للمسجد الأموي الشهير..@ وتلك الأبيات.. هي ما تبقى في ذاكرتي..من أيام المرحلة الثانوية. @ ولم يدر بخلدي.. أن تظل تلك الأبيات.. عالقة في ذهني..لتصبح شاهدا.. على إحساسي.. أو قل.. محركا لإحساسي.. وأيضا.. مثيرة.. لوهج الولع بالحنين.. ليس للمكان وحده.. ولكن.. لقيم المكان.. وتاريخه.. وأحداثه..كرباط.. من حبل مفتول.. يربط الماضي بالحاضر..@ لا يراه ..إلا من يدرك أبعاد قضية ارتباط الإنسان بالمكان.. وأحداثه.. وتاريخه.. وحاضره.. ومستقبله..@ وهي قضية.. تشكل عجينا اسمه.. (التفاعل).. بين الأشياء.. ان شئت قل: كيانا.. وان شئت قل: انتماء.. وان شئت قل: ولاء..وان شئت قل: ما شئت.. @ عند ذلك الإدراك.. يصبح كل شيء لك وحدك.. الشعور.. والإحساس.. والعاطفة..ودفء المكان وحزنه.. وهمه ومسئوليته.. وفلسفته وعشقه..وكل الوله.. وأيضا تدرك أبعاد رسالة ذلك الإدراك.. التي يحملها المكان.. لكل زائر..@ رسالة واحدة..ولكن.. نختلف في قراءتها وتفسيرها..وأيضا.. نختلف في تفسير رسم حروفها وأبعادها..@ وقف شوقي في محراب المسجد.. وامتد البصر.. عبر التاريخ.. ليرى الخليفة ابن مروان.. @ ويمتد البصر.. ويستعرض الناس..لونا.. وشكلا.. ولغة.. وفهما..حتى وصل به البصر إلى نفسه.. هو.. كشوقي الشاعر..عندها.. كأنه يود أن ينقل الخبر لعبدالملك بن مروان. @ يسأل:هل في المصلى أو المحراب مروان؟@ أي شعور هذا يا شوقي..تود نقله إلينا كرسالة؟ @ أعود لواحة.. كانت تكسر لون الرمال.. وتعطي بمائها.. لونا مرغوبا ومطلوبا..وحياة لطيور مهاجرة.. @ واحة.. خضراء كانت..لها بساتينها.. لها في نهارها ظلمة الليل..من ظل.. تشكله.. وترسمه.. كثافة أوراق وأغصان..وسعف اخضر.. يمتد في فضائها..يمتص وهج الشمس.. ويعطي الثمار.@ لها محاصيل.. كانت في كل زاوية من أرضها.. مزهوة بما تعطي..وقانعة بما تأخذ..@ ولكن.. حفر الزمان لها قبرا كبيرا..@ حفرناه.. نحن.. بأيدينا ..رحلنا.. بعيدا في هجرنا ..وهجرنا لها.. كان بغيضا..@ أين الينابيع؟..أين ماء كان هنا يسيل؟..@ جفت.. جميع ينابيعها..تغير حتى أديم أرضها..@ أشباه نخل.. هنا وهناك.. هذا ما بقي..لتحكي..واقعا مر من هنا..@ اسأل.. أين فلاحها؟ @ تغيرت واحة الأحساء.. تبدد ظلها..تغير الظل..@ نعم..هي الآن في حزن.. وقد هرمت..@ عصر التخلي.. تجلى لها.. في لياليها..وفي نهارها.. جفاء.. وجفاف.. يلفها ويعصرها..@ هي واحة الأحساء.. أصبحت أطلال رؤيا.. لماض.. تلاشى بين أيدينا.. @ تغير الفلاح..فلا الفلاح.. فلاح.. على أديم أرضهاولا الفلاح فلاح..@ نعم..واحة الأحساء.. كتاب باق منه عنوان..سأظل ابحث عنها.. واحة مشهورة ..سأظل اكتب عنها.. واحة مروية..سأظل انشد عنها.. رمزا.. رث الصحائف لا حول ولا قوة..سأظل مؤذنا في الحي.. هذه الأحساء في واحتها..فهل الأذان أذان؟