د. محمد حامد الغامدي

مُرسلون من الله

@ لفت نظري سؤال وجهه لي أحد الأطباء في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما قال: ألا تعتقد أن الحروب في الشرق الأوسط هي حروب ديانات؟ كان ذلك عام 1983م.@ سؤال فتح أمامي أبوابا من التساؤلات، كنت اعتقد أن هذا الطبيب، كغيره، مشغول فقط بمرضاه، لم أتوقع أن يكون متابعا لما يجري في الشرق الأوسط، وما جرى فيه عبر التاريخ.@ نعم.. الحروب في الشرق الأوسط هي حروب ديانات ومنذ القدم، ومهما غلفت هذه الحروب بشعارات مختلفة، فان حقيقتها ومحور جوهرها هو الدين، وليس غير الدين شيء. @ في اعتقادي يكابر كل من يحاول إنكار هذا الأمر، الحروب الصليبية وجميع الحروب التي تلتها، وحتى اليوم هي حروب دينية. @ حتى تقسيم القارة الهندية إلى دولتين مسلمة (باكستان) وغير مسلمة (الهند) يعود إلى سبب ديني صرف، وحتى لا يتمكن المسلمون من حكم القارة الهندية مرة أخرى والى الأبد، هكذا يعتقد الشعب العربي. @ الفاعل الحقيقي وراء هذا المشروع هو الدولة العظمى (بريطانيا)، التي كانت لا تغيب عنها الشمس، دولة الصليب المسيحي، سادت وطغت ورفعت شعار (فرق تسد).@ ثم انكمشت هذه الإمبراطورية البريطانية، بعد أن تمكنت من تقسيم العالمين العربي والإسلامي إلى دول وأحزاب متفرقة، ثم ورثت أمريكا الحضارة الغربية، بل أصبحت الزعيم الأوحد، حتى على بريطانيا نفسها، وفي كل الأحوال لم تتغير نظرية الحروب الدينية.@ ساد المد الشيوعي، وخافت أمريكا. @ كان الدب الروسي في حينه مخيفا، اكثر من الجمل العربي، ذي السنام الواحد. @ شنت أمريكا الحرب على هذا المد الشيوعي، بحجة نكرانه للديانات، وجندت الكثير في العالم العربي وغيره للوقوف معها، شعوبا وثروات، من اجل أن تنتصر أمريكا على الدب الروسي. @ مات الدب الروسي، وفجأة وجدت أمريكا نفسها بدون عدو واضح، وهنا استدارت إلى الخلف، لترى الخطر القادم من الحليف، الذي تخافه تاريخيا.@ هذا الحليف هو الشعب العربي، وتذكر الغرب الحروب الصليبية، وان هذه الحروب لم تنته بعد، وما زالت الجراح التاريخية في نفوسهم، كغرب.@ أمريكا ورثت الصليب المسيحي، ويجب الدفاع عنه، أو قل الثأر له من الإسلام.@ حذرت (بنازير بوتو) الباكستانية المسلمة، التي حظيت بقيادة دولة باكستان في مراحل التغيير بعد الموت المفاجئ للدب الروسي، وقالت: الإسلام ليس الشيوعية، قالته في لندن خلال محاضرة لها.@ ولكن كانت آثار الحروب الصليبية، ومازالت، في أذهان البعض حية لم تمت، رغم السنين الطويلة.@ في حرب البوسنة والهرسك، وأثناء تصفية الأجساد المسلمة، كنت أتعجب أيضا من قول احدى العجائز لي في اسكتلندا، وهي تبرر انتهاك واغتصاب حقوق المسلمين، قائلة: هم فعلوا ذلك أيضا.@ هذا هو ما تم حفظه، في ذهن الناس في الغرب عبر هذه السنين الطويلة، وهناك من يغذي نزعة الانتقام، ونزعة الحروب، لتستمر حروب الثأر، وحروب الديانات تحت مسميات مختلفة.@ نعم.. زراعة إسرائيل كدولة في قلب العالم العربي، هي حرب دينية.@ حمايتها ودعمها بالمال والسلاح والفيتو، وتمكينها كدولة وقوة هو حرب دينية. @ شن حروب تصفيات الطوائف المسلمة في الدول المختلفة هو حرب دينية. @ مناصرة الأقليات المسيحية وتشجيعها على التمرد في الدول الإسلامية هي حروب دينية. @ محاصرة العرب ليبقوا في حلقة الضعف والهوان هي حرب دينية.@ العمل على تفتيت العرب إلى دويلات وطوائف هو حرب دينية.@ العمل على تفتيت العرب إلى أقليات، وبعقليات مختلفة ومتناحرة هو حرب دينية.@ (ها قد عدنا يا صلاح الدين) عبارة قالها أحد قادة الجيوش الغربية التي استعمرت سوريا، وبعد أن بسط نفوذه على دمشق، قرر زيارة قبر صلاح الدين، أمام القبر قال مقولته تلك، وهي مقولة فيها الكثير من الاستفزاز لكل مشاعر المسلمين. وبعد.. أليست هذه حربا دينية؟@ بوش الرئيس الأمريكي أيضا قال عن حربه على الإرهاب (إنها حرب صليبية). ثم التمس له العرب العذر، وقالوا للشعب العربي (إنها زلة لسان.. لم يكن يقصدها سيادته).. أليست هذه حربا دينية؟@ وإذا كانت هذه هي الحقيقة فكيف تستطيع أمريكا أن تقنعنا كعرب بغير هذا الاعتقاد؟@ هناك شعوب ملّت الحروب شرقا وغربا.. هناك شعوب لا تحب الحروب. ولكن هناك زعماء شر. تم إعدادهم ليكونوا على قناعة بأنهم مرسلون من الله.@ ليصبح هدفهم الدفاع عن حقوق الله، حتى لو هلكت كل الشعوب الإسلامية في العالم، خاصة الشعب العربي.@ عندهم هلاكه جزء من حقوق الله.