د.محمد حامد الغامدي

أم عمر

@ أخيرا قالت الممرضة: خلاص بابا.. هممت بالانصراف.. @ فجأة تفجر الموقف.. انهارت بالبكاء... عرفت أنها محتاجة إلى مواساتي ودعائي.. قمت ببعض ما يجب أن أقوم به..@ تسمرت أمامنا الممرضة.. تنظر في دهشة.. حاولت التدخل.. قائلة: ما في خوف ماما..@ أم عمر لم تكن خائفة.. أم عمر كما عرفتها.. عظيمة قوية مؤمنة بقضاء الله.. لكن هناك أمور تحدث داخل النفس.. في الساعات العصيبة.. تنفجر لتعبر عن أحاسيس مدوية.. تسجل وقفات تاريخية.. تعبر عن مشاعر.. لها أيضا جذور مشاعر.@ نعم.. تركت أم عمر في المستشفى.. لإجراء عملية..@ بقي أن تعرفوا أن أم عمر هي شريكة حياتي.. تزوجنا ونحن طلاب..@ معها أنهيت المرحلة الجامعية.. معها حصلت على الماجستير..معها أيضا حصلت على الدكتوراة..@ وهي أم أبنائي عمر وزياد.. وقد تخرجا من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.. وهي أم سلمى وسارة و زاهية.. @ حياة مشتركة.. بدأت من الصفر كما يقولون.. ولام عمر فضل كبير في نجاحها..@ مع خروجي من باب المستشفى.. تذكرت الكثير من المواقف.. سألت: لماذا بكت أم عمر كل هذا البكاء؟!@ تذكرت أن الداخل لبعض المستشفيات مفقود والخارج مولود.. تذكرت أن أحد معارفنا.. توفي بسبب عملية للزائدة الدودية. تذكرت أن أحد معارفنا مات أيضا بسبب التخدير.. تذكرت أن أحدهم تم تخديره وما زال حتى اليوم فاقد الوعي.. لأنه لم يتم إبلاغه بعدم الأكل قبل التخدير..@ أم عمر لم تبك بدوافع خوف واضحة.. كانت طفرة هذه البكاء لثوان.. بعدها طلبت مني إحضار بعض لوازمها..@ سلمتني محفظة صغيرة.. شعرت بأنها سلمتني قلبها وكيانها.. وقصة تاريخ حياتها معي.. خرجت.. ادعو لها بالخروج بالسلامة.@ تم تنويم أم عمر في مستشفى باسكتلندا... أثناء دراستي لمرحلة الدكتوراة.. خرجت من المستشفى تقول: هنا تلقيت افضل معاملة في حياتي.. من طيب المعاملة.. شعرت أنني المريضة الوحيدة في هذا المستشفى.. فهل استحضرت تلك الذكريات؟@ أم عمر تملك قدرات طبية فذة.. تعتمد على مخزون هائل من المعلومات الطبية الصحيحة.. ولديها قدرة ملاحظة خارقة.. فهي تفهم في الطب اكثر من بعض الأطباء لدينا..@ اذكر أن أحد الأطباء في الولايات المتحدة الأمريكية.. طلب أن تعمل لديه في عيادته.. كمترجمة لمرضاه العرب.. كان اسمه (مكلا هوني).. كان يشرح لها كل شيء مع كل مريضة تحضر إليه برفقة أم عمر..@ أم عمر كانت تقوم بهذه الأعمال لوجه الله.. ولمساعدة المحتاجين.. ومن وقتها الخاص.. وبسبب هذه الترجمة تعلمت الكثير من الأمور الطبية..@ طبعا رفضت أم عمر أن تعمل في عيادة هذا الدكتور.. تقول: عيب.. وكيف استلم فلوس على مساعدة أهلي وربعي..@ أم عمر عظيمة.. في كل شيء.. يكفي أنها قامت بإعداد أبنائها.. وتدريسهم.. ومتابعة شؤونهم.. حتى تخرجوا من الجامعة.. يقول ابني زياد.. الفضل في نجاحي لامي.. وقد تخرج من جامعة البترول.. مع شهادة الشرف وبامتياز.. أما الابن عمر فقد حاول أن يعطيني بعض الشيء كمجاملة..@ جميل أن يكون هناك أم بمثل هذه المواصفات.. تعطي وتبني.. ليس لها وحدها ولكن للامة بكاملها..@ نجاحي في دراستي وحياتي بعد توفيق الله.. يرجع إلى أم عمر.. التي وفرت لي الكثير من الوقت والجهد.. وفرت لي راحة البال لكي انجح.. وقفت معي في جميع ساعات الشدة.. كانت حياة شاركتني فيها.. بالكثير من المواقف.. التي قادتني إلى النجاح.. وفي الحقيقة نجاحي هو نجاحها.. وهذا يعني أنها تشاركني حتى في شهاداتي ونجاحي المتواضع.@ هناك نساء في بلدي شاركن في بناء النجاح للكثير من الأزواج.. وللكثير من الأبناء.. وللكثير من الأسر.. وهو في النهاية نجاح للمجتمع وللامة وللوطن..@ أم عمر لديها الكثير من الأفكار الطيبة.. وهي صاحبة رؤيا.. ولكن كم هن النساء من أمثالها..يعشن في صمت مطبق.. ليس لهن قنوات لإظهار إبداعهن.. أو حتى مساهمتهن.. بالرأي في معترك الحياة العامة..@ طبعا لن تكون أم عمر معروفة لأقطاب الحوار الوطني الثالث.. الذي استضاف العديد من نساء بلدي للحوار.. ولكن يظل الحوار.. مسعى للوصول إلى هدف.. أرجو أن يتحقق.. @ كم من الدموع تم دفقها في أروقة المستشفيات.. ولكن السؤال الأهم: كم من الدموع تم دفقها في غرف البيوت؟! دموع النساء.. قضية لا تنضب.. ومع كل دمعة.. هناك إدانة.. مع كل دمعة هناك إدانة..@ نعير أولادنا بقولنا: لا تبك كالنساء.. نتجاهل أن بكاء النساء ناتج عن القهر.. يبكين من قهرهن.. ولا نريد للرجال من أبنائنا أن يبكون قهرا.. لذلك نقول: البكاء للنساء..@ أم عمر لم تبك من القهر.. كان بكاؤها بكاء أمل وتطلع.. وهو اجمل البكاء قاطبة.. انه بكاء يشترك فيه الرجال والنساء.. دون خوف أو وجل.. بكاء يداوي ولا يجرح..@ أم عمر تبكي من القهر.. كلما رأت نساء يبكين من القهر.. ويظل للقهر صنّاعه.. @ بكاء النساء ناتج عن قهر الأزواج.. قهر الآباء.. قهر الأخوان.. وقهر الأبناء.. وحتى قهر الظروف.. فهل ناقش الحوار الوطني الثالث قضية بكاء النساء؟!