د. محمد حامد الغامدي

لغز الانهيارات الأرضية

تكررت الانهيارات الأرضية في الأحساء. وفي كل مرة أجد من يسألني عن السبب. وكنت أتوقع مثل هذه الانهيارات منذ اكثر من 10 سنوات.@ في الانهيار الأخير، الذي ابتلع جزءا من مزرعة، حتى أصبحت فجوة جوفاء. ظهر السؤال مرة أخرى، لماذا؟@ حملني بعض الاخوة إلى المكان، وكلهم أمل أن أقدم لهم تفسيرا لما يجري. وكان لديهم الشوق لمعرفته.@ ولابد أن وزارة المياه تشاطرهم الشوق. أما وزارة الزراعة فقد تخلصت، من جزء من مزرعة كانت تحتاج إلى إمكانيات الوزارة، التي ستوجه بعد هذا الانهيار، لزراعة القمح والشعير والأعلاف. أما الدفاع المدني فلا يهمه الأمر، ما لم يكن هناك ضحايا من البشر.@ وعدتهم بتقديم تفسيري مكتوبا في جريدتي (اليوم). طلبت منهم الصبر والانتظار، حتى يشهد تحليلي معهم كل مرتادي سوق الخميس الشهير.@ هذه عنترية من يدعي معرفة أسرار لا يعرفها. ولكن هذا لا يعني (وأد) مواهبي. لا بد من تحقيق بطولات وسط هذه الأسئلة الحائرة المتناثرة هنا وهناك.@ تفسيري المتواضع لهذه الانهيارات الأرضية لا يخرج عن حكاية (مرني عند الغروب).@ فمن المعروف لنا جميعا أن الكرة الأرضية محمولة على (قرن ثور). لا ينكر هذا إلا (أم السباع) أمريكا، ربما لكثرة بقرهم.@ الجميل في الأسطورة أنها لم تحدد صفات الثور. تركت لنا إيلاج عقولنا في ثقوب سوداء، للتخيل والسباحة في ملكوت الأسطورة التاريخية.@ باختصار شديد، وغير مخل ومتوازن، ومتواضع أيضا. وجدت أن الثور الذي يحمل الكرة الأرضية، عازم على (شُرب) ارض الأحساء، سنة بعد أخرى.@ في زيارتي الأخيرة له، بحثا عن الحقيقة، وجدته ثورا ضخما. له مناخير كبيرة واسعة منتفخة. وجدت بعض الغبار على ظهره. وجدته شرسا ومقهورا، ويحمل الكثير من الأمراض، التي يدعي أننا تسببنا في ايجادها.@ تشكّى وفي حسرة، من سوء تصرفنا (بتجفيف) المياه، التي كانت تحيط (بقرنه) عبر آلاف السنين. يقول: (قرني كجذر شجرة مغروس في الأرض، يحملها وتحمله، يحافظ عليها وتسقيه).@ لم يعد لديه (الماء) الكافي..أصيب بالعطش. يقول: (ما ان يحل موسم الأمطار، حتى استبشر خيرا بها، قبل أن يتم شفطها من قبلكم، على وجه الأرض).@ يقول: (إذا كانت لديكم المضخات العملاقة، التي تسحب المياه العميقة من حول قرني، فان لدي ما هو اشد منها واكثر بأسا وقوة. لدي جهاز شفط مهول، يحدث انهيارا في لمح البصر، وفي أي مكان اختاره).@ يقول في (تكبر) انه وجد ارض الأحساء، التي يعرف ما كان بها من (مياه)، عبارة عن كهوف وأخاديد سهلة الشفط.@ سألته ان كان سيكرر هذا الشفط في فصل الصيف؟ فقال: (إشلون.. الله يسلمك.. تحسبني ثور).@ قال انه يعرف أن الأحساء بها أعلى درجة حرارة في العالم، وقال: (نتركها لكم في الصيف).@ تعجبت لحكمته. وتعجبت لتصرفاتنا التي (أزعجت) هذا الثور الأسطوري، الذي يحمل كل هذه الأرض، بمن عليها خلال كل هذه العصور.@ سأل عن أسباب وجود بعض الروائح الكريهة التي تصله.قلت: هذه جثث بعض ضحايا الحروب. ندفنها في الأرض، ونتخلص منها.قال: (لا.. فأنا اعرف روائح الجثث البشرية، لقد تعودت عليها. ولكن هذه روائح جديدة).قلت: لابد أنها روائح مياه الصرف الصحي، التي تتسرب إليك من بيّارات بيوتنا.قال: (هين ... تشوفون يالضبان).@ الثور ما زال يشتكي. وما زال في حاجة إلى (الماء). وقد هدد بابتلاع كل ارض الأحساء وغيرها، حتى يتسنى له (الشرب).@ وهدد أيضا بقلب عاليها سافلها، إذا تقدم أحدهم بطلب لمجلس الأمن، لضم (قرنه) إلى قائمة أسلحة الدمار الشامل. وللتأكيد... (طلق بالثلاثة). وادخل منخاره في إصبعه. أدرت وجهي حتى لا أتقيأ.@ ولكني لم أجد له ذيلا كبقية ثيران الأرض. وله أصابع يخرج منها أصابع. ويقف على شفا صخرة، وكأنه يهدد بالانتحار، أو انه ثور (يتأمل) في ملكوت عالم لم أشاهده.@ ويبقى الثور غاضبا ونبقى في موقف المتفرج.@ ولكثرة مياه البيّارات التي تحيط بالبيت الذي اسكنه، توقعت أن يخسف به هو الآخر، خلال هذا الشتاء. وعشت أفكر، في كيفية مقابلة مناخير هذا الثور، أثناء شفطه لموقع البيت. ومن خلال هذه الزيارة، حمدت الله أنه لا يحب مثل هذه المياه، التي يقول عنها إنها كريهة. عند الحاجة قد يغير رأيه.@ ومهما كانت المشاكل، فانه يمكن التفاهم والتحاور مع هذا الثور، الذي يبدو انه خفيف الظل، ذو نكتة وحضور، حيث روى لي نكتة، كانت مكتوبة على باب مكتبي.@ لا ادري كيف استطاع الحصول عليها. علق عليها قائلا إنها حلوة. تقول النكتة: واحد دمه خفيف طار.@ وتظل الانهيارات لغزا محيرا لغير الثور.