د. محمد حامد الغامدي
@ كنت يومها في أم السباع أمريكا البطلة،طالبا يدرس برغبة للارتقاء ومحاربة التخلف.وأمريكا هي المنبع القوي،للعلوم ومجالات عملها في شتى ميادين الحياة.@ وكنت وقتها للأسف، مولعا بتدخين (الشيشة).كانت أحد روافد قضاء الوقت، عند الميل لاستراحة المحارب.@ ونظرا لما تخلفه من رائحة كريهة، كنت أدخن خارج البيت في (البلكونة).وكان لي جار أمريكي، استهوته الحكاية،فطلب الانضمام إلى نادي محبي هذه الشيشة. اصبح يدخن معي،ربما ليتأكد أنها خالية من سموم الحضارة المارقة.@ انكسر راس الشيشة.وتوقفت عن التدخين.سألني عن سبب هذا التوقف المفاجئ.أخبرته أن راس الشيشة انكسر،ولابد أن احضر واحدا آخر من بلدي.@ تعجب لأمري،سألني عن إمكانية تأمينه من أمريكا؟فقلت له هذا مصنوع من الفخار، ولا فخار هنا في أمريكا.@ طلبه مني،جمعت أجزاءه المكسورة في كيس وسلمته الأمانة.كنت اعتقد انه سيجبر الأجزاء المكسورة ويعيده لي.@ بعد يومين، احضر لي ثلاثة رؤوس جديدة ومتقنة الصنع،وفي شكل افضل مما كان عليه الرأس الأول.اخبرني انه صنعه في الجامعة.@ ذهبت إلى هذا القسم في الجامعة،وجدت أن هناك ورشة كبيرة،يعمل فيها طلاب يتدربون على صنع الأدوات الفخارية. ويتم تسجيل لهذا المقرر كمادة حرة في الجامعة.يمكن لأي طالب أن يسجل في هذا المقرر،ليتعلم صناعة الفخار التقليدية.@ وكان هذا الزميل الأمريكي في صحبتي.عرفني على الطالب الذي صنع له الفخار.دفعت ثمنا لمادة الطين.@ قبل أن انصرف طلب مني ذلك الطالب،أن يجرب تدخين الشيشة، كثمن لعمله.وتعجبت لطلبه هذا.@ ابتسمت، وقلت ربما يسجل التاريخ اسمي في هذه المدينة،كأحد رواد تعليم شرب الشيشة.ومضيت مغادرا المكان.ولكن بعد أن عشش في رأسي،الكثير من أدوات الاستفهام والتعجب،وما زالت قائمة حتى اليوم،رغم كثرة الحروب والأزمات الدولية،ومناظر وبشاعة الكوارث في العالم اجمع. @ هذه الحادثة أعطتني مؤشرا،إلى أن التعليم ليس في التخلي عن المهارات التقليدية المحلية.@ ولكن التعليم يعطي الفرصة في مواصلة تعليم المهن والحرف اليدوية.إنها جزء من شخصيتنا،وجزء مهم من تراثنا،وجزء مهم من تعريف الناشئة بهذه المهن.وفوق هذا هي تسجيل لأسرار إتقانها.@ إنها مهن تحارب الفقر.@ جامعاتنا ومعاهدنا تتجنب أن تكون متخلفة.والإنسان وقد بهرته الطاقة الذرية.وصواريخ (اسكود)،والأقمار الصناعية، والفضائيات التجميلية، وسحر العطورات وأدوات التجميل الباريسية. وكاميرات الجوال التعجيزية.@ نسي الجميع،انهم منتمون لأرض تحمل رفات الأجداد،ينتمون لأرض وبيئة لها خصوصية.@ يجب المحافظة على هذا التراث،الذي يشكل خصوصية الزمان والمكان.@ على أمل،أن يكون هناك ورش في جامعاتنا،وفي الأقسام ذات العلاقة،لتدريس هذه المهارات والحرف، ليس لمنافسة الأمم، ولكن لبقائها حية لا تموت،لتظل تحارب الفقر والعوز والحاجة.@ في هذا تطوير وتعريف بالماضي.وفن حرفي يبقى بعد ذهاب أصحابه.@ يموت الإنسان،وتبقى مآثره ومناقبه، وإنجازاته.@ صدقوني، هذه الحرف إنجاز حتى وان تغير الزمان.صدقوني، هذه الحرف تغني عن البطالة وتحفظ الكرامة.صدقوني، يمكن تطوير هذه الحرف وتوظيفها لصالح الفقير في هذا الوطن.@ وللبعض أقول: عنكم ما صدقتم.