محمد العصيمي

اختلف معي.. لكن

أحسن من أطلق هاشتاق «اختلف معي.. لكن»، لأنه التفت أو أكد حالة عربية وسعودية مزمنة، حيث يتحول الخلاف إلى صراع لفظي عنيف، بل ويتحول أحيانا إلى إرهاب وتخويف المختلفين في آرائهم ومواقفهم. ولا أظن أن هناك من هو أجدر مني لتسألوه عن هذه الخلافات العنيفة التي يطحن مرتكبوها المختلفين برحى غليظة على المستوى الفكري والشخصي والأسري والاجتماعي. لقد تعاملت مع هذه التباينات وهذه الرحى لسنوات طويلة لم يوفر فيها المعتدون كل أسلحتهم للطعن في ديني وانتمائي وعرضي. وكان منهم عدد ليس بالقليل ذهب، في شخصنته للأمور، إلى أبعد من ذلك حين تباروا في توصيف خِلقتي والتندر على ملامحي وشيباتي؛ كما يفعلون كل يوم مع كثيرين يعتدون على أشكالهم وألوانهم وأصولهم أو جنسياتهم.بطبيعة الحال فإن من يفعل ذلك هو إنسان ضعيف المعرفة وضعيف الحالة الفكرية والثقافية، ما يجعله يلجأ، للخلاص من هذا الضعف، إلى أسرع الأمور وأسهلها، وهو أن يُفصلك فورا على مقاسه هو؛ فإن جئت على قدر أمتاره قبلك وإن زدت أو نقصت وضع رأيك على مقصلة الشخصنة والسفاهات والتفاهات التي يجيدها ظنا منه أنه بذلك يرهبك ويسكتك. وهو تعلم ذلك، في الغالب، من بعض الأسماء التي تصدت للأفكار التنويرية بالعنف والإرهاب اللفظي وليس بالحجة والحكمة والمنطق والنقاش الهادئ والمتزن.لقد جربت شخصيا، حتى مع بعض المعتدين والمتواقحين على وسائل التواصل الاجتماعي، أن أجرهم إلى منطقة الحوار المنتج والمؤثر على أساس القواعد الصحيحة لهذا الحوار. وفي كل مرة أفشل إلى درجة أنني يئست وأصبحت لا أرد عليهم ولا أناقشهم. وقد كسبت من ذلك شيئين: الشيء الأول هو أنني أمنع قدر الإمكان تدفق قاذوراتهم، والشيء الثاني هو أن أتجاوز تأثير عنفهم وإرهابهم على قناعاتي وما أنا مؤمن به من أفكار ورؤى أقدمها لصالحهم قبل أن تكون لصالحي.بقي أن أقول إن الأفكار الجيدة الرائدة تنمو حتى في أحضان العنف والاعتداءات الفكرية والشخصية، والدليل أن كل منعطف في تاريخ البشرية حدث بفعل فكرة صغيرة رائدة، حوربت لكنها، في النهاية، انتصرت وأصبح من كان يحاربها، في حينه، من أشد المدافعين عنها وعن من أتى بها.