لماذا نخجل من الحب؟
في أحد ممرات المركز التجاري الضخمة الذي كان يعج بالزوار مالت الفتاة الشابة على أمها واحتضنتها بشكل مفاجئ، وكان من الواضح أن الأم ارتبكت خجلًا من نظرات الآخرين أو ربما من الموقف الذي لم تعتد عليه رغم علامات الحب الظاهرة في نظراتها الفرحة. ترى لماذا قد يفسر بعض من ينظر إليهما أن ما حدث أمر لا داعي له فبإمكانها أن تحتضن أمها في منزلها فقط! وكأن هذا التصرف فيه شيء من الخطأ! لماذا عندما يبدي أحد الزوجين تصرفًا وديًا تجاه الآخر يصفونه وصفًا قبيحًا يسمونه (خرفنة)؟ ولماذا يقاوم بعضنا كل مظاهر الحب التي من الممكن أن تأتي تلقائية ولكنه يمنعها من الظهور فلا يعبر بكلمة ولا بهدية دون مناسبة؟كنا في مجلس مع شباب العائلة فسألتهم إحدانا متى آخر مرة قدمتم هدية لأمهاتكم؟ البعض لاذ بالصمت، والبعض قال في يوم الأم الماضي، والبعض قال أنا لا أفعل ولكني أوكل المهمة لغيري! عندما فكرت في الموضوع كانت (لماذا؟) تتقافز في ذهني نتيجة لما أراه من تركيز على المظاهر الاجتماعية السيئة التي تنال نصيبًا وافرًا من التعليق في المجالس الخاصة أو في مواقع التواصل العامة، حيث يميل الغالبية من الناس إلى المشاركة فيها برأي ما يظهر كم ندير ظهورنا للمشاعر الجميلة حينًا وكم نتعمد تشويهها أحايين أخرى. عندما تضرب الأم طفلها لأنه لم يكن مؤدبًا في تصرف ما أو لم يحفظ درسه يقال له أمك ضربتك لأنها تحبك ولكنه عندما يفلح في موقف آخر لا تبادر إلى احتضانه وإخباره أنها تحبه. كثير من الناس يدعون الحب ولكنهم لا يحسنون التعامل معه بناء على معتقدات اجتماعية عامة يخشى مخالفتها أو التخلص من قيدها، وهذا لا ينطبق على الحب بين بني البشر أيًا كانت علاقتهم من الأقارب والأباعد، بل أيضا على الجمادات والأحياء من حولنا. فترى مواقف متناقضة في الشخص الواحد كأن تجد شخصًا كريمًا محبًا عطوفًا ولكنه يرفض أحد مظاهر الحب العام عندما يستنكر فكرة أخذ بقايا الطعام أمام الناس ليقدمها لمحتاج في الطريق؛ لأنه يخشى من حكم الآخرين عليه مع أن هذا التصرف يعد نوعًا من الحب وله أثره الكبير على الروح، روح المعطي والمعطى له، فهو حب يتسامى بنا جميعًا وبخاصة لو قدمته بالشكل اللائق. إن الحب بسيط جدًا ومتوافر حولنا بكثرة وبأشكال متعددة كلها تنطلق من أصل إيماني (حبب إليكم الإيمان)، ومن الإيمان بكل ما يتفرع منه من صفات حسنة نرزق حب الله لنا، ومن العجيب أن يحول البشر بيننا وبين حب الله لنا بسبب تلك المعتقدات الاجتماعية التي نغلبها على علاقتنا بالله وحاجتنا إلى دعمها بكل جميل عن طريق الأخلاق المرتبطة بالحب فالله هو الذي يسخرنا لبعضنا، ألا ترى أنك في بعض المواقف تتحرك بطريقة واعية وغير واعية في الوقت ذاته حين تشعر بصوت في داخلك يقول لك افعل كذا ولا تفعل كذا، ولكن هل يحسن الجميع الاستجابة لذلك الصوت الذي يدفعه لفعل ما حتى لا تبقى في الذاكرة مواقف مؤنبة حين لم نستجب لمشاعر الحب تجاه شخص ما لأننا خجلنا أو خشينا أن نخجلهم؟