المملكة والخدمة الأسمى التي تحولت إلى ثقافة
حينما يتخلى ملوك هذه البلاد عن كل ألقاب التبجيل والجلالة، ويكتفون باللقب الذي يؤمنون عقيدة وتعبدا أنه الأجل والأسمى من كل الألقاب وهو خدمة الحرمين الشريفين، ثم يجعلون هذه الخدمة على رأس أولوياتهم، ويمحضونها النصيب الأوفى من موازنات بلادهم عاما بعد عام، حينما يفعلون هذا، ويباشرون بأنفسهم خدمة الحجيج والزوار والمعتمرين، فإنما هم يترجمون رسالة هذه الدولة التي نذرت نفسها لهذا الشرف العظيم الذي يفخر به كل مواطني هذه البلاد، وهو الأمر الذي انعكس على هيئة متوالية عملية في مشاريع المدينتين المقدستين والمشاعر، حيث يندر أن يخلو سماء المقدسات من رافعات البناء، وآليات العمران التي تواصل الليل بالنهار في التوسعات لرفع الطاقة الاستيعابية للحرمين الشريفين والمشاعر، وبناء الطرق، والخدمات المادية واللوجستية التي تستهدف التيسير على ضيوف الرحمن، وبشكل لا يمكن أن يتكرر في أي مكان في العالم، حتى قال أحد رؤساء وفود الحج ذات مرة:«لا يبدو أن هنالك سقفا لطموح السعوديين في مشاريع الحج»، وقال آخر: «من الطبيعي أن يكتسب السعوديون الخبرة في إدارة الحج، وتفويج هذه الملايين من الحشود البشرية بنجاح ضمن نطاق زمني وجغرافي محدد، لكن ما هو خارج الطبيعي أن تتحول هذه الخدمة إلى عقيدة حتى بين صفوف العسكريين»، في إشارة منه إلى دور رجال الأمن وقوات الحج في رعاية الحجاج، ومبادراتهم المتتالية في مساعدتهم وإعانة الضعفاء منهم على أداء مناسكهم.والمملكة حينما تسخر كل هذه الإمكانيات، وكل هذه الأموال في خدمة المشاعر، وعندما تتحول خدمة ضيوف الله إلى ثقافة وطنية، فإنما تفعل ذلك انطلاقا من إيمانها بدورها الريادي كقبلة للمسلمين، وترجمة لرسالتها السامية، لأنها تؤدي واجبها إرضاء لوجه الله، وخدمة لضيوف بيته العتيق، ومسجد رسوله المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهو ما حظي بفضل الله بإشادة المنصفين من مختلف بلاد المسلمين، والذين يشاهدون بأعينهم كيف تجيش المملكة كل طاقاتها وإمكانياتها البشرية والمادية سنويا لخدمة ضيوف الرحمن، وكيف تجري التعبئة على مدار العام من خلال كافة الأجهزة الحكومية، والمؤسسات الأهلية التي تعمل على تطوير خدمات الحج، حيث يستمر التخطيط والعمل والتنفيذ لتقديم أفضل الخدمات في أجواء إيمانية هادئة وبأفضل السبل التي تجعل الحاج يتفرغ لنسكه.