د. فالح العجمي

الإنسان ابن بيئته الاجتماعية

كثير منا يعلق ساخرًا على عادات لأمم أخرى، أو لبيئات اجتماعية غير بيئته التي اعتاد على مسلماتها، بل وربما حتى على أشكال الآخرين من أقوام بعيدين عنه، أو من الأعراق المختلفة عن عرقه الخاص. ولهذه الأسباب تنشأ بعض الظواهر العنصرية، أو التحيزات لبعض ما يتميز به المرء وقومه (أو عرقه) من سمات تختلف عن خصائص الأقوام أو الأعراق أو حتى المناطق الأخرى البعيدة نسبيًا عن منطقته. فأحيانا تبدأ أفكار التحيز، أو التخندق العنصري، بمداولات بسيطة عما يختلف به أولئك الناس عن أناسنا هنا، ومدى تميزنا (الإيجابي طبعا) عن الآخرين في كل ما هو موروث في تلك البيئة. ومع مرور الزمن، ونفخ الغوغائيين وأصحاب الرؤوس الفارغة إلا من الهياط والتفاخر، تبدأ تلك الأفكار في الترسخ على أنها حقائق ثابتة لا تقبل الدحض، وأن الميزات الإيجابية المحددة لبيئتنا المحلية مثبتة بكل الوسائل العلمية، ورداءة الآخر هي السبب في كرهي له، أو الحط من قيمته في المجالس الشعبية، أو عند الحديث مع الصغار وتربيتهم، أو السخرية من تلك الاختلافات في نكت وعبارات تحتقر أولئك المختلفين عني في أي من المحددات المذكورة. وأذكر أن أحد المتحدثين في مجلس خاص قال مرة: لو أن أحدنا كان مولودا في بلد آخر بعيد عنا أو مختلف كليا، لكانت ديانته أو مذهبه أو ثقافته مختلفة عنا، فهل هي الصدف، التي نحمدها لنكون على هذا التميز الذي نذكره عن أنفسنا وبيئتنا؟ وأضفت إلى حديثه: بل لو أننا على سبيل المثال من كوكب آخر (على غرار قصص الكائنات الفضائية)، لربما نظرنا إلى المحددات البشرية بكاملها على أنها زائفة! فهل كنا سنستحسن الصلعة في شعر الرأس، أو عدم وجود الحواجب فوق عيني الإنسان، وربما صفات أخرى يعدها البشر الآن بدهية؟ بالطبع ستكون التحليلات متعددة عن وجود هذه الأفكار، والمواقف النابعة من تشربها، وانتقالها إلى مظاهر سلوكية إزاء الآخرين، أو لزمات لفظية عند الحديث عنهم، ومقارنتهم بالبيئة المحلية. فهناك من يناقشها علميًا وبصورة موضوعية، مثلما هي موجودة عند أغلب المجتمعات البشرية، خاصة تلك التي يقل فيها المحتوى الحضاري، وتسيطر جوانب الخرافة على التحليل العلمي للمشاعر وطرق التعبير عنها، وتضمحل فيها بالتالي مساحة التسامح والرغبة في التعايش مع كل مكونات المجتمع المحلي والمجتمعات الأخرى المجاورة أو المتثاقفة معه في ظروف الحياة المختلفة. كما يوجد - في الطرف المقابل - من يعتمد في تحليلاته ومواقفه على الذائقة الشعبية السطحية لجوانب الاعتداد بالذات عند المجموعة المحلية، ليسرف في التعليق على ما هو غريب أو مضحك لدى الجماعات الأخرى، والتغاضي عما يماثله في الغرابة من وجهة نظر الآخرين في الثقافة المحلية، محاولًا تفهم ظروف نشأته التاريخية، واستمراره في ثقافة المجتمع الموروثة. أما الذي يغذي استمرار الظواهر العنصرية، ويجعل مسألة تقليصها من الأمور الصعبة جدا في أي مجتمع، فهما عاملان.. أحدهما: عدم وجود قوانين تجرم المواقف والأقوال، التي تتعدى على كرامة الآخر المختلف في الداخل أو الخارج، وفي أمور العرق أو الدين أو المهنة أو الانتماء الاجتماعي. أما العامل الآخر: فهو ضعف أصحاب القدوة في المجتمع، سواء أكانوا في السلك التعليمي أو الإعلامي أو أصحاب الوجاهة الاجتماعية في تلك البيئة.