2018 سنة الحظ
لا يؤمن الاقتصاد بالحظ ولا بالتنبؤات ولا بالأمور الاستبصارية، فهو يعتمد كل الاعتماد على التحليلات من واقع الدراسات والبحوث والتحقيقات، إنه ينظر للواقع بالواقع ولا يقبل غير ذلك، إلا أنه وخلال السنوات السبع الفائتة وكل ما جرى فيها وحدث بها من أحداث متسارعة وبطريقة غير منطقية وبخلاف ما بُني على الدراسات والتحليلات والتوقعات جعلنا نؤمن بالحظ، فقد ساهمت الأحداث في إبراز أسواق ومؤسسات وأشخاص وإنهاء أخرى لم يتوقع أحد لها بأن تنتهي يوما، إن ما حدث خارج عن التوقعات وقواعدها التحليلية.في الحقيقة لم تنته الأزمات ولا مصدر القلق ولا تردي الأوضاع، بل للتو بدأت فأغلب الخطط التقشفية سيتم العمل بها هذا العام، ورغم ذلك يسود الفعاليات الاقتصادية العالمية تفاؤل مرتقب بانتهاء حقبة «السبع العجاف» أو السبع سنين السالفة التي كانت شديدة على الاقتصاد العالمي عامة والشرق الاوسط خاصة مع دخولنا السنة الجديدة 2018، تلك السنوات التي تسببت في ازمات اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية وامنية في منطقتنا، وما نتج عنها من تدهور النمو الاقتصادي، وزاد الأمر سوءا حينما ترتب على ذلك انخفاض في اسعار النفط وضعف في الانتاجية وانعدام الشفافية، وكلها سببت لبلداننا عجزا ماليا عاما بلغت نسبته في المتوسط بأكثر من 10% من اجمالي الناتج المحلي لعام 2016، في حين تضاعف الدين العام بنسبة زادت عن 30% من اجمالي الناتج العام حتى 2014.كل ذلك لم يؤثر على مستوى التفاؤل الذي ابداه الكثير من خبراء الاقتصاد وبعض التقارير الاقتصادية بأن تكون هذه السنة هي سلم الصعود وليس النزول، فتقرير صندوق النقد الدولي «الشرق الاوسط في حالة تغيير» تنبأ بتحسن يطال اقتصاد الدول المصدرة للنفط جراء نشاط ونمو القطاع غير النفطي فيها، وهو ما سعت اليه الحكومات الخليجية من خلال إستراتيجياتها المتوسطة وطويلة المدى. وقدره التقدير بأنه جهد مالي تبذله الحكومات لتحصيل الايرادات بأكثر من 12 نقطة مئوية من اجمالي الناتج المحلي منذ العام 2014.كما اشاد التقرير بما تبذله حكومات منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وبالذات الدول العربية الأكثر تضررا من غيرها جراء ما يحدث في المنطقة، اشاد بالجهود لتنشيط وتعزيز التجارة والاستثمارات وبذل الدول العربية قصارى جهدها في ذلك، وفك القيود وتسهيل وتذليل العقبات للتحول من نهج متشدد إلى نهج أكثر تساهلا وإقبالا على الخطط التي تساعد على رفع نسب النمو، من خلال تحسين البنى التحتية وتنويع قاعدة الصناعات التحويلية في بعض الدول العربية.وبحسب التقرير فإن تقديرات الصندوق تشير إلى أن المنطقة «إذا تمكنت من مضاهاة أفضل تحسن حققته لمدة عام حتى الآن في مجال الانفتاح، فسوف يرتفع المعدل السنوي المتوسط للنمو الاقتصادي نقطة مئوية واحدة على مدار السنوات الخمس المقبلة مقارنة بالتنبؤات الاساسية التي تشير الى نمو قدره 3.3 بالمائة» وهذا يعني ليس فقط استقرار الاقتصاد على نسبة النمو بل ارتفاع تقديري ونوعي.وامتدح التقرير سياسة الحكومات بالذات العربية والخليجية، على وضع خطط النمو التي تركز على خلق فرص عمل كأولوية استراتيجية وهدف وطموح، بل العمل على توفير فرص عمل لائقة ذات دخول جيدة وزيادة الحصول على تمويل المشاريع الصغيرة، والسعي إلى توفير خدمات ذات جودة افضل وتحسين مستويات الحوكمة والمساءلة والمساهمة في زيادة حجم وكفاءة الانفاق لاغراض اجتماعية واستثمارية.ويرجح التقرير أن هناك عوامل خارجية قد تساهم كثيرا في زيادة النمو والاسراع في الاصلاحات، فارتفاع نسبة النمو العالمي والابتكارات التكنولوجية العالمية تساهم كثيرا في خلق بيئة مواتية للاصلاحات المرجوة في المنطقة والعالم، وقد يلزم الامر مزيدا من الوقت ولكنه آت بكل تأكيد. لذا حث التقرير على أن يسارع صناع القرار وواضعو السياسات في المنطقة بالتعجيل في تنفيذ المبادرات واغتنام الفرص السانحة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وتشجيع النمو، وذلك عبر تنفيذ جداول اعمال للنمو الاحتوائي (وهو ما يعني العمل وفق خطط متوسطة المدى) لتوفير حلول عملية لما سماها بـ«أولويات ملحة» تساعد على استعادة ثقة المستثمرين والمواطنين على السواء.وركز التقرير على خمسة عوامل هامة هي أعمدة النمو للاقتصاد في المنطقة، وهي: السياسة المالية العامة «السليمة»، الشمول المالي، اصلاح سوق العمل، النظام التعليمي، تحسين الحوكمة «الشفافية»، تعزيز مناخ الاعمال، هذه الخمس العوامل في حال التركيز عليها والعمل على اصلاحها وتعزيز الجودة فيها وتطويرها، فإنها من شأنها أن تساهم في استقرار الاقتصاد في البداية ومن ثمة تعزيز الثقة به وتسريع نموه والانتقال للمرحلة الصعود. إنها سنة جديدة تأتي بعد نصب وعذاب كبير عانى منه اقتصادنا كثيراً، إلا أن تدارك الأمر ووضع خطط طارئة وأخرى متوسطة والمضي بها درجة أثر أخرى سيساهم حثيثاً في أن نخرج من عنق الزجاجة إلى مرحلة الاعتماد على النفس وبالتالي المنافسة والتحول لاقتصاد صاعد وقوي.